من خشبة المسرح إلى عوالم الطفولة: سياحات فكرية في إبداعات عبدالله جدعان
حوار ثري وممتع يعكس عمق التجربة الإبداعية للكاتب والمخرج عبد الله جدعان وتنقلاته السلسة بين خشبة المسرح وعوالم السرد للأطفال والفتيان.
حين يتقاطع الحس الإخراجي المسرحي مع نبض السرد الموجه للأطفال والفتيان، تتشكل ملامح تجربة إبداعية فريدة للكاتب عبدالله جدعان. يقف بنا هذا الحوار على شرفات عوالم غنية بالفانتازيا والتشويق، حيث يواجه الأديب قسوة الواقع وأزمات الطفولة برهافة الكلمة وصدق الترسيمات التربوية. نستكشف من خلال هذه المساحة الفكرية رؤاه حول أزمة النشر، وصناعة البطل المحلي، ومشاريعه الطموحة في تحويل الملاحم الكبرى إلى نصوص مسرحية تنبض بالحياة والإنسانية.
المحور الأول: أدب الطفل والقصص الهادفة
• كيف توازن في قصصك للأطفال بين تقديم جرعة تربوية وبين الحفاظ على متعة وعنصر التشويق؟
ج: من خلال سرد حكاية مُحببة لدى الأطفال، تجعله ينجذب لقراءتها أكثر من مرة.
• كتابك "خيزران" يحمل قصصاً هادفة للفتيان، ما الرسالة المركزية التي أردت غرسها في وجدان هذا الجيل؟
ج: هذه رواية للفتيان ، صدرت عن دار شان في الأردن، هي حكاية أم هارون الرشيد وكيف فضلته عن شقيقه الأكبر وخنقته لتجعل هارون الرشيد يجلس على العرش، طرحت فكرة الرواية من خلال قصة أم أرملة ، لديها ولدين أحدهما مشاكس لا يهتم بدروسه في حين الآخر منضبط ،فتقسو الأم كثيراً على الأول مما يستدعي الجد بأن يخبرها بحكاية أم هارون الرشيد وقسوة قلبها لولدها الذي مات من بين يديها.
• كيف تختار لغة قصص الأطفال في عصر تسيطر عليه الشاشات واللغات الهجينة؟
ج: أختار الكلمات البسيطة التي بإمكان أي طفل قارىء أن يستوعب المفردة ،ويعرف المعنى.
• هل ترى أن القصة المطبوعة للطفل ما زالت قادرة على منافسة المحتوى البصري الرقمي؟
ج: بالتأًكيد ، لأن القصة الورقية تحمل سحراً وسراً يجعل الطفل القارىء يتلمس الأوراق والرسومات الملونة ، ناهيك عن مراجعة القصة إن أعجبته لأكثر من مرة.
• كيف تتعامل مع التوجيه الأخلاقي في قصصك دون السقوط في فخ الوعظ المباشر المنفر للطفل؟
ج: من خلال طرح المعلومة من بين سطور المشكلة التي حديث للطفل، أو طرح الحل بقصة مشابه لما حدث له ، هنا سيعرف الطفل القارىء بشكل خاص والطفل بشكل عام مكان الخلل الذي فيه أو في بطل القصة التي قراءها من دون إيعاز تربوي مُباشر.

المحور الثاني: أدب اليافعين وعوالم الفانتازيا
• في روايتك "البحث عن نبات الرعد"، لماذا اخترت الفانتازيا والرموز مثل "جزيرة الياسمين" كإطار للعمل؟
ج: لجعل الفتى أن يعيش في عوالم غريبة وأماكن عجيبة، تُحفز خياله واستكشاف سبب ولوج البطل أو البطلة في هذه العوالم والأماكن، تحفيز عقل الفتى القارىء من جانب ومعرفة قضايا علمية من جانب آخر، وكان إختياري لجزيرة الياسمين بوصفها مليئة بتلك الزهور الجميلة التي تنعش القلب والنفس وتجدد العزيمة في قلب البطل.
• ما الخصوصية التي يتطلبها أدب اليافعين وتجعله يختلف جذرياً عن الكتابة للأطفال أو للكبار؟
ج: أن يعرف كيف يخاطبهم..؟ ويعرف ما هي أمنياتهم وتطلعاتهم..؟ بعيداً عن المثالية والخيالية، فهو يختلف عن مخاطبة الطفل والقارىء الكبير، أنه يعيش زمن مُتغير من الناحية الفسلجية والعقلية يريد أن يقف على السكة التي تحقق أحلامه.
• كيف تسهم الرواية الفانتازية في بناء الوعي النقدي والفكري لدى المراهقين واليافعين؟
ج: يتحقق هذا الأمر من قراءة الفتى المُحب للقراءة لأكثر من كاتب ،سواء أكان من الوطن العربي أو الأوربي. هنا سيجد هناك اختلافات بالثقافات والعادات والتقاليد ، خصوصًا إن كانت القصة أو الراوية تستمد موضوعتها من حكايات شعبية أو من الموروث.
• هل تعتقد أن اليافع العربي يجد نفسه في الروايات المحلية أم أنه يفضل المترجمة، وكيف عالجت ذلك؟
ج: بصراحة، يعتمد هذا على أسلوب وقدرة الكاتب في جذب القارىء للإستمرار في قراءة الكتاب حتى النهاية ، لأن إذا لم يجد من الحكاية موضوعة تجذبه وتستهويه للقراءة سيعزف عن قراءتها.
• ما هي أصعب التحديات التي واجهتك أثناء صياغة الحبكة الروائية الموجهة لجيل اليافعين؟
ج: المهم في كتابة الراوية هو موضوع القصة والشخوص، وكيفية صياغة الحكبة والعقدة والمشكلة وكيفيه حلها ، هل من تدبير البطل أم من مساعدة طرف آخر، ويتطلب من الكاتب أن لا يبالغ في النهايات الخارقة السوبرمانية ،إنما كيف أستطاع البطل أن يتغلب عليها بالمثابرة والصبر من خلال مساعدة القريبين منه.
المحور الثالث: مستقبل أدب الطفل واليافعين في العراق
• كيف ترى واقع ومستقبل مؤسسات أدب وثقافة الأطفال في العراق اليوم مقارنة بالماضي؟
ج: مع الأسف واقع مُخجل ، على الرغم من وجود دار ثقافة الأطفال التي كانت تصدر بشكل شهري مجلتي والمزمار ، لكن الآن كل ست شهور أو سنة لا يصدر عدد واحد، في حين كانت تعج تلك الدار بإصدار القصص المنفردة والسلاسل القصصية مع صدور عدد من مجلتي والمزمار بشكل شهري.
• هل هناك دعم كافٍ من دور النشر العراقية والمؤسسات الثقافية لتبني وتوزيع كتابات الأطفال واليافعين؟
ج: لا يوجد أي دعم للكاتب سواء في أدب الطفل أو الكبار ، لذا لجأ الكاتب لدور النشر العربية
• كيف أثرت الأزمات والحروب التي مر بها العراق على خيال الطفل العراقي، وكيف ينعكس ذلك على قلمك؟
ج: تأثير كبير، فلازال يعاني من تأثير الحروب التي جعلته يترك بيته وذكرياته وألعابه المُحببة كما ويترك مدرسته ويعيش في عالم جديد ( خيمة ) في داخل مخيمات النازحين، يسمع قصص عن الموت المنفرد والجماعي، وانعكس هذا على قلمي إذ كتبت قصص منفردة وسلاسل ومسرحيات للأطفال وروايات للفتيان عن مدى تأثير الحرب والإرهاب على عقلية ونفسية الطفل والفتى.
• ما الذي يحتاجه الكاتب العراقي الشاب ليخوض غمار الكتابة للطفل بنجاح وتميز؟
ج: وجود جهة تتبنى الأخذ بيده وتشجعه على الكتابة ونشر المميز منه ،سواء في مجلة أو كتيب ورقي.
• كيف يمكننا صناعة "بطل قصصي عراقي" محلي يقتدي به الأطفال وينافس الأبطال العالميين؟
ج: من خلال استحضار شخوص تاريخية إيجابية قدمت النفع للصالح العام، وهناك كثير من هؤلاء الأبطال في قصص وكتب الحكايات الشعبية.
المحور الرابع: مسرح الطفل وقضايا الواقع (أطفال الشوارع والإرهاب)
• في كتابك "فم الحوت"، سلطت الضوء على أطفال الشوارع ضحايا الإرهاب؛ كيف يحول الأدب المسرحي المعاناة إلى أمل؟
ج: كما وردت إجابتي في سؤال سابق، كان قلمي حاضرا في رسم صور لأطفال غادروا عالم الطفولة بسبب الارهاب والحروب ،وكانت نهايتهم في الشوارع من أجل الحصول على لقمة العيش، يتمنى كل واحد منهم أن يجد مُنقذ لواقعهم المأساوي، فيحلمون بمُنقذ سواء في النوم أو اليقظة، وهذا ما جسدته في مسرحية ( فم الحوت) نجم يلتقط النجوم الصغيرة كلها، فينصحهم المارد في الحلم ألا يكونوا كفم الحوت التي اغتصب أحلامكم وأمنياتكم، إنما العودة للدراسة من أجل مستقبل أفضل.
• ما هي الحدود الفاصلة بين توثيق قسوة الواقع في المسرح وبين حماية براءة الطفل المتلقي؟
ج: عدم المُبالغة في طرح المشكلة والحلول لها، إنما طرح ومضة من المعاناة والاكثار من الصور الجميلة لمستقبل زاهر أفضل من خلال الصبر والمُثابرة والتمسك بالدراسة.
• في كتابك "أبناء القمر"، كيف يسهم المسرح التعليمي في تعديل سلوك الطفل وبناء شخصيته داخل المدرسة وخارجها؟
ج: مسرحية للأطفال عن أهمية النظافة في البيت والمجتمع في ظل الكسل الذي اجتاح البشرية في ظل طلب التسوق والطعام ( دلفري) ؛مما خلق حالة غير صحيح ألا وهي الكسل فتكاثرت تلال الأوساخ وانتشرت الفئران التي غزت المدينة ، ومن خلال التكاتف والعمل الجماعي يتم القضاء على الفئران من أجل بيئة نظيفة وعودة الحياة الصحيحة كما كانت، وبهذا التدبير يعد سلوك يجعل متلقي المسرحية أن يتعلم من تلك الأخطاء.
• كتبت أكثر من 30 مسرحية للأطفال، ما هي المسرحية الأقرب لقلبك والتي شعرت أن رسالتها وصلت كاملة؟
ج: بصراحة ، النصوص التي كتبتها تحمل رسائل تعليمة وهادفه كلها ، لكن تظل مسرحية (الأميرة شهد وأخبار طير السعد ) المُحببة في قلبي كونها المسرحية الأولى التي كتبتها ومثلت فيها ،وعرضت على خشبة المسرح وشاهدها أكثر من800 طفل متفرج.
• كيف تخرج من عباءة المخرج المسرحي لتدخل عوالم الروائي والقصاص، أين يلتقيان وأين ينفصلان؟
ج: أن أنسى وصفي ممثل أو مُخرج ، وأفكر في صياغة الرواية ،وأعيش في أجواء السرد، المُكثف لكل مفردة صغيرة يعيشها أو حصلت للبطل في سير الاحداث، لذا يكون الانفصال عن كتابة المسرحية في غزارة السرد واختيار شخوص كثيرة من دون قيد أو شرط، أما الالتقاء مع النص المسرحي فيكون في طرح الموضوع أو الفكرة.
المحور الخامس: تداخل الفنون ورؤيته الفكرية (المحور المضاف)
• أنت فنان تشكيلي ومسرحي وروائي؛ كيف تغذي لوحتك التشكيلية المشهد البصري داخل رواياتك وقصصك؟
ج: عفوا. أنا لست فناناً تشكيليا، وإنما ممثل ومخرج مسرحي، لكنني أحب الفن التشكيلي وأجسد المشهد التشكيلي في عدد من كتاباتي سواء أكانت قصة أو مسرحية او رواية.
• ترأس تحرير "ملتقى الحضارات للكتاب والمفكرين"، كيف تخدم الثقافة الرقمية والمنصات الإلكترونية الأدب الورقي الرصين؟
ج: تم غلق هذا الموقع منذ سنين ، لكنني فعلته من خلال إصدار أبواب عديدة للتعريف العالم بالفنان العراقي والعربي( ممثل – مطرب- مخرج- تشكيلي) والكاتب العراقي والعربي للحديث عن سيرته الإبداعية.
• ما هي الإضافة الثقافية التي تقدمها الشهادات والأكاديميات الدولية للمبدع بعد مسيرة طويلة من العطاء الميداني؟
ج: هي مجرد حافز معنوي لا أكثر، وعلى الرغم من منحي أربع شهادات دكتوراه فخرية من جامعات ومنظمات دولية ،لكنني أخجل من التعريف بوصفي أحمل شهادة دكتواره . إنما أنا حاصل على شهادة البكالوريوس( تربية فنية ).
• كيف ترى دور "اتحاد الأدباء والكتاب في العراق" في مد الجسور بين جيل الرواد وجيل الشباب؟
ج: لأن الكاتب يحتاج لنشر كتبه؛ فالاتحاد لا يملك مطبعة ، لكن من خلاله ممكن طباعة أي كتاب بمناصفة مع دار نشر حكومية.
• بعد هذه الرحلة الإبداعية الحافلة، ما هو المشروع الحلم الذي يخطط عبد الله جدعان لإنجازه ولم يره النور بعد؟
ج: سبق لي أن قمت بتحويل الحكايات الشعبية إلى نصوص مسرحية للأطفال والكبار وقمت أيضاً بتحويل الأمثال إلى سلسلة مسرحيات من عشرة أجزاء وقمت بتحويل روايات إلى نصوص مسرحية ممن خمسة أجزاء ، منشغل الآن بتحويل الملاحم الخالدة إلى نصوص مسرحية.
وصدر لي مؤخراً قصتين للأطفال وعدد من الروايات للفتيان والكبار من دور نشر في مصر والأردن والأمارات العربية المتحدة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك