شعبان يوسف... أمين ذاكرة الأدب وحارس الأرواح المنسية
هناك أناس يكتبون التاريخ، وهناك من يصبحون جزءًا منه، وهناك فئة ثالثة أشد ندرة، لا تشغلها البطولة الشخصية، ولا تسعى إلى أن تكون في مركز الصورة، بل تقف في الظل، تحمل مصباحًا صغيرًا، وتبحث عن الوجوه التي أطفأها النسيان، ثم تعيد إليها الضوء. هؤلاء لا يصنعون مجدهم بقدر ما يصنعون مجد الآخرين، ولذلك يبقى أثرهم أطول من أثر كثير من النجوم الذين ملأوا الدنيا ضجيجًا.
حين أفكر في الأستاذ شعبان يوسف، لا يخطر ببالي أولًا الناقد، ولا المؤرخ، ولا الشاعر، بل أتذكر أمناء المكتبات الكبار في الحضارات القديمة. أتذكر الكهنة الذين كانوا يحرسون برديات مصر القديمة، ويتأكدون أن كلمة واحدة لن تضيع، لأنهم كانوا يعرفون أن ضياع الكلمات هو بداية ضياع الحضارات. في مصر القديمة، لم يكن حفظ المعرفة عملًا إداريًا، بل كان رسالة مقدسة. كانت الكتب تُحفظ داخل "بيت الحياة"، وكانت المخطوطات تعامل بوصفها كائنات حية تحمل روح الأمة. ولو خرج أحد أولئك الكهنة من معابد منف أو طيبة أو الإسكندرية إلى عصرنا، لربما وجد في شعبان يوسف قريبًا له، لا في المهنة، بل في الرسالة.
عندما نتأمل تاريخ الثقافة الإنسانية، نكتشف أن كثيرًا من المبدعين لم يمتلكوا حظ الشهرة في حياتهم. عاشوا على الهامش، وماتوا في صمت، ولم يعرف العالم قيمتهم إلا بعد عقود، وأحيانًا بعد قرون. ولو لم يوجد من يجمع رسائل فرانز كافكا، هل كنا سنعرف كافكا الذي غيّر الأدب العالمي؟ ولو لم يهتم أصدقاء إميلي ديكنسون بقصائدها بعد رحيلها، هل كانت ستصبح واحدة من أعظم شاعرات العالم؟ ولو لم يحفظ الرواة أعمال هوميروس، هل كانت الإلياذة والأوديسة ستصلان إلينا؟ التاريخ لا يصنعه المبدعون وحدهم، بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يرفضون أن يسمحوا للمبدعين بالاختفاء. وهنا تكمن أهمية شعبان يوسف. إنه لا يكتب عن المشاهير فقط، بل يبحث عن الذين ابتلعتهم هوامش التاريخ، ويعيدهم إلى المتن. إنه لا يكتفي بقراءة الكتب، بل يقرأ المصائر الإنسانية المختبئة خلف الكتب.
لطالما شغلتني فكرة الذاكرة. فالإنسان لا يعيش بعمره البيولوجي وحده، وإنما يعيش بقدر ما يبقى في ذاكرة الآخرين. في الحضارة المصرية القديمة، كان المصري يخشى "الموت الثاني"، وهو اللحظة التي يُنسى فيها اسمه. كان الاعتقاد السائد أن الإنسان يظل حيًا ما دام اسمه يُتلى، وما دامت صورته تُرى، وما دامت سيرته تُروى. لهذا امتلأت جدران المقابر بالأسماء والنقوش والصلوات. لم تكن مجرد زخارف، بل كانت مقاومة للنسيان. وأحسب أن شعبان يوسف يمارس هذا الطقس المصري القديم، ولكن بلغة العصر. إنه يكتب أسماء المبدعين مرة أخرى على جدران الثقافة العربية، حتى لا يتعرضوا لذلك الموت الثاني.
لا أتصور أن عملًا كهذا يمكن أن يقوم به شخص يبحث عن الشهرة. إنه يحتاج إلى صبر عالم آثار. فالعالم لا يعثر على التمثال كاملًا فوق سطح الأرض، وإنما يحفر طويلًا، وينفض الرمال عن قطعة صغيرة، ثم عن أخرى، ثم يكتشف في النهاية وجهًا كان مدفونًا منذ آلاف السنين. وشعبان يوسف يفعل الأمر نفسه مع الأدب. يحفر في الصحف القديمة، ويفتش في الرسائل، ويقرأ المجلات المنسية، ويلاحق القصاصات، ويجمع الشهادات، ثم يعيد بناء صورة كاملة لكاتب أو شاعر كاد الزمن يمحوه. إنه ينقب عن البشر كما ينقب الأثري عن التماثيل.
لكن أكثر ما يلفتني فيه ليس هذا الجهد العلمي وحده، وإنما الجانب الإنساني. فالكتابة عنده ليست مهنة باردة، بل علاقة حية مع البشر. ولهذا جاءت كتاباته عن زوجته الراحلة مؤثرة إلى هذا الحد. لم يكن يكتب ليبكي الناس، بل كان يكتب لأنه لم يتوقف عن الحب. وكانت الكلمات تتحول إلى بيت صغير تعيش فيه الذكرى. ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للوفاء، ليس أن نتذكر من رحلوا مرة كل عام، وإنما أن يصبحوا جزءًا من تفاصيل أيامنا. وهذا النوع من الكتابة لا يمكن اصطناعه، لأنه يخرج من قلب عاش التجربة كاملة.
ثم تأتي ورشة الزيتون الثقافية، وهنا نتجاوز حدود الشخص إلى المؤسسة. كم من المبدعين خرجوا من تلك الورشة؟ وكم من شاعر قرأ قصيدته الأولى هناك؟ وكم من روائي وجد من يستمع إليه قبل أن يعرفه القراء؟ الثقافة ليست كتبًا فقط، إنها أماكن، وجماعات، وحوارات، وأبواب مفتوحة. وحين يغيب هذا كله، تصبح الثقافة مجرد أرشيف جامد. لقد أدرك شعبان يوسف أن الكاتب الكبير لا يُقاس بعدد كتبه فقط، بل بعدد الكتّاب الذين ساعدهم على الوقوف. وهذه قيمة إنسانية نادرة.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل شيء سريعًا. الشهرة سريعة، والنسيان أسرع. ينشغل الناس بما يحدث الآن، بينما تتراجع الذاكرة إلى الخلف. لكن الأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد مستقبلها أيضًا. ولذلك يبدو دور شعبان يوسف أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى. إنه يقاوم ثقافة النسيان، ويقف في وجه الاستهلاك الثقافي السريع، ويقول لنا بصمت العالم الحقيقي إن هناك أسماء تستحق أن تبقى.
ربما لهذا السبب شعرت دائمًا أن الرجل لا يعمل في النقد الأدبي فقط، بل يعمل في ترميم الزمن. تمامًا كما يقوم المرممون في المتاحف بإعادة الحياة إلى لوحة قديمة أو تمثال مكسور، يقوم هو بترميم الذاكرة الثقافية العربية. ولا يكتفي بالترميم، بل يمنحها حياة جديدة.
في النهاية، لا يحتاج شعبان يوسف إلى أوسمة كثيرة، فبعض البشر تصبح سيرتهم هي الوسام، ويصبح احترام الناس لهم هو الجائزة الكبرى. لأن الجوائز قد تُنسى، أما الأثر الحقيقي فلا يُنسى. وحين يكتب مؤرخو الثقافة العربية يومًا تاريخ الذين حرسوا ذاكرتها، فلن يكون اسم شعبان يوسف مجرد اسم في قائمة طويلة، بل سيكون فصلًا كاملًا عن رجل أدرك أن الكتابة ليست وسيلة للشهرة، وإنما عهد أخلاقي مع الزمن. وهذا، في تقديري، هو أعظم ما يمكن أن يحققه مثقف؛ أن يصبح حارسًا للذاكرة، وأن يترك الأبواب مفتوحة لمن سيأتون بعده، حتى تستمر الحكاية، ويظل الجمال حيًا، وتبقى الثقافة، كما كانت دائمًا، انتصارًا للإنسان على النسيان.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك