من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

السُّودانُ مِنْ جَنِيِ القُطْنِ إِلَى جَنِيِ السَّرَابِ

بقلم: صلاح الدين عثمان
السُّودانُ مِنْ جَنِيِ القُطْنِ إِلَى جَنِيِ السَّرَابِ






مُقَدِّمَةٌ:


نَسْتَمِيحُ القَارِئَ عُذْراً فِي بَسْطِ مَقْتَرَحٍ نَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الاقْتِرَابِ مِنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ المَعْضِلَةِ الشَّائِكَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِالبِلادِ.

سَنَسْلُكُ سَبِيلَ المَاضِي القَرِيبِ، حِينَ أَذَاعَ الفَرِيقُ أَوَّل عَبْد الرَّحْمَن مُحَمَّد حَسَن سُوَار الذَّهَب بَيَانَهُ الأَوَّل وَالثَّانِي صَبِيحَةَ السَّادِسِ مِنْ أَبْرِيل 1985 (15 رَجَب 1405).

تَحَرَّكَ الشَّارِعُ وَتَرَامَتْ هُتَافَاتُهُ: (الشَّعْبُ ارْتَاحْ يَا سَفَّاحْ) وَ (السَّفَّاحْ شَرَدْ وَيْنُو).


تَزْيِيفُ المَشْهَدِ لِفَهْمِ الحَقِيقَةِ:

تَصِلُ طَائِرَةُ الرَّئِيسِ النِّمِيرِي إِلَى مَدْرَجِ مَطَارِ الخُرْطُومِ، وَفِي اسْتِقْبَالِهِ عِنْدَ سُلَّمِ الطَّائِرَةِ قَائِدُ الانْقِلابِ. 

تَحْمِلُهُمَا مِرْوَحِيَّةٌ تَطُوفُ بِهِمَا فِي سَمَاءِ العَاصِمَةِ، فَيَسْمَعُ الرَّئِيسُ السَّابِقُ البَيَانَ وَيَرَى الجَمَاهِيرَ تَصْرُخُ مُنْذُ بَدَايَةِ رِحْلَتِهِ فِي 26 مَارِس تُطَالِبُ بِرَحِيلِهِ. 

 وَيُوضَعُ فِي إِقَامَةٍ جَبْرِيَّةٍ مَعَ رِفَاقِهِ الَّذِينَ شَارَكُوهُ مَسِيرَةَ الحُكْمِ، فَيَتَجَسَّدُ المَشْهَدُ كَانْطِوَاءٍ لِعَهْدٍ مَضَى، وَانْكِشَافٍ لِسُلْطَةٍ تَصَدَّعَتْ، دُونَ مَسٍّ لِسَلْمِيَّةِ الشَّعْبِ الَّذِي أَرَادَ التَّغْيِيرَ بِهُتَافٍ وَمَسِيرَةٍ.


تَفْنِيدُ سَنَوَاتِ الحُكْمِ وَمَقْتَرَحُ المُعَالَجَةِ:

التأميم وما خلّفه من جراح: 

لم يكن التأميم سوى سيفٍ مسلط على المشاريع المنتجة، إذ جُرِّدت من أصحابها الذين خبروا إدارتها، فانهارت البنية الاقتصادية وتحوّل النجاح إلى عجز. 

الحل يكمن في إلغاء التأميم، والعودة إلى المتضررين بمخاطبةٍ صريحة، تُعيد لهم الثقة، وتفتح باب الإصلاح الاقتصادي بشروطٍ عادلة.

البنوك الأجنبية ومشاريع الإعمار: 

حين أُقصيت البنوك الأجنبية، تعطلت عجلة التمويل، وتعثرت المشاريع الكبرى مثل مشروع الجزيرة. 

إعادة هذه المؤسسات، مع توزيعٍ حصيف لمهام الإعمار، يُغني البلاد عن القروض المرهقة، ويُعيد لمشاريع القطن والسكر والصمغ عافيتها، بل ويُتيح تصنيع القطن داخل المشروع بأحدث التقنيات، ليصبح قيمةً مضافة لا مجرد محصول خام.


الطاقة والمعادن: السودان يملك ثروات كامنة في باطن الأرض؛ من البترول إلى الذهب. 

لكن سوء الإدارة جعلها سراباً. 

الاتجاه نحو استثمارها بعقلانية، مع تطوير قطاع النقل البري والنهري والبحري والجوي، يفتح أبواب التنمية ويُعيد للسوق استقراره.


الخدمة المدنية والعسكرية: 

لا إصلاح بلا جهاز إداري متين، ولا أمن بلا جيش واحد موحد. 

ترقية الخدمة المدنية تعني إدارةً رشيدةً تُحسن التخطيط، وترقية الخدمة العسكرية تعني جيشاً يحمي الوطن لا يتنازع داخله.


قوانين سبتمبر وأسلمة البنوك: 

 ويَجِبُ تَسْمِيَةُ الأَشْيَاءِ بِأَسْمَائِهَا؛ فَتِلْكَ القَوَانِينُ الَّتِي سُمِّيَتْ إِسْلَامِيَّةً لَمْ تَكُنْ إِسْلَامِيَّةً فِي جَوْهَرِهَا، بَلْ تَجْرِبَةٌ مُشَوَّهَةٌ شَوَّهَتِ العُرْفَ السَّائِدَ فِي المُقَاضَاةِ وَأَرْبَكَ المُوَاطِنَ فِي مَسَارِ حَيَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ. 

فَالمَحَاكِمُ غَدَتْ مَسَارِحَ لِلتَّجَاوُزِ، وَفَقَدَ النَّاسُ الثِّقَةَ فِي العَدَالَةِ، وَتَحَوَّلَتِ القَضَايَا إِلَى مَشَاهِدَ مُرْبِكَةٍ تُثْقِلُ كَاهِلَ المُجْتَمَعِ.

أَمَّا تَجْرِبَةُ أَسْلَمَةِ البُنُوكِ، فَقَدْ كَانَتْ أَشَدَّ وَقْعاً؛ إِذْ لَمْ تُلْغِ الرِّبَا، بَلْ أَتَاحَتْ لِقِطَاعٍ طُفَيْلِيٍّ جَدِيدٍ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى أَكْتَافِ الاقْتِصَادِ، فَيُرْبِكُ السُّوقَ وَيُشَوِّهُ مَسَارَ التَّمْوِيلِ، وَيُحَوِّلُ البُنُوكَ إِلَى أَدَاةٍ لِتَكْرِيسِ الفَوْضَى الاقْتِصَادِيَّةِ. 

وَبِذَلِكَ انْقَلَبَتِ الفِكْرَةُ الَّتِي رُوِّجَ لَهَا كَإِصْلَاحٍ دِينِيٍّ إِلَى مَصْدَرِ أَزْمَةٍ أَثْقَلَتْ حَيَاةَ المُوَاطِنِ وَأَضَاعَتْ مَعْنَى العَدَالَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ.


الحزبية والطائفية: 

الأحزاب الطائفية واتحادات الطلاب لم تُثمر سوى انقسامٍ وتشرذم، فيما الكيانات الوافدة عبر الحدود جلبت الإرهاب والجاسوسية. 

إلغاء هذه البُنى يُعيد للدولة هيبتها، ويُفوت الفرصة على الحركات المسلحة التي مزقت الأقاليم.


الاستقرار السياسي وهوية الدولة الحديثة:

لَا يَسْتَقِيمُ بِنَاءُ السُّودَانِ الحَدِيثِ إِلَّا بِتَعْرِيفٍ صَادِقٍ لِهُوِيَّتِهِ؛ دَوْلَةٌ أَفْرِيقِيَّةٌ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ، يَتَكَامَلَانِ دُونَ أَنْ يَطْغَى أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ. 

وَمِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ يَنْبَثِقُ مَسَارُ السِّيَاسَةِ الخَارِجِيَّةِ عَلَى أَسَاسِ الحِيَادِ؛ فَلا تَتَوَرَّطُ الدَّوْلَةُ فِي تَحَالُفَاتٍ تُفْقِدُهَا اسْتِقْلَالَهَا، وَلا تَتَّخِذُ أَرْضَهَا مَعْبَراً لِمُعَارَضَاتٍ أَوْ صِرَاعَاتٍ إِقْلِيمِيَّةٍ، بَلْ تَنْفَتِحُ عَلَى العَالَمِ فِي إِطَارِ السِّيَاحَةِ وَالاسْتِثْمَارِ وَالتَّبَادُلِ القَائِمِ عَلَى الاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ.


الدُّسْتُورُ وَضَمَانُ الاسْتِقْرَارِ

وَضْعُ دُسْتُورٍ رَاسِخٍ يُحْكِمُ المَهَامَّ الدِّبْلُومَاسِيَّةَ فِي أَيْدِي المُتَخَصِّصِينَ فِي العَلاقَاتِ الدُّوَلِيَّةِ، لِيَكُونَ التَّمْثِيلُ الخَارِجِيُّ مَبْنِيّاً عَلَى الكَفَاءَةِ وَالمَعْرِفَةِ، وَيُسَاهِمَ فِي جَذْبِ الاسْتِثْمَارِ وَتَعْزِيزِ مَكَانَةِ البِلادِ. وَيَتَطَلَّبُ ذَلِكَ أَيْضاً تَنْقِيَةَ الأَجْوَاءِ الدَّاخِلِيَّةِ وَزَرْعَ الوَعْيِ فِي المُؤَسَّسَاتِ المَدَنِيَّةِ، حَتَّى يَغْدُو الانْقِلَابُ فِكْرَةً مَسْدُودَةَ الأُفُقِ. 

وَيَجِبُ بَسْطُ المَجَالِ لِعُلَمَاءِ السِّيَاسَةِ وَالاقْتِصَادِ عَبْرَ الإِعْلَامِ لِتَوْعِيَةِ الجَمَاهِيرِ، وَبِنَاءُ سُودَانٍ مُوَحَّدٍ لَا يَتَزَعْزَعُ.


الفَائِدَةُ المُرْتَجَاةُ:

حين تُسد هذه الثغرات، يتحقق الاستقرار الأمني والاقتصادي، ويستقيم العام الدراسي، وتكفي المرتبات للحاجة وتفيض للادخار، ويُفتح الطريق للتنمية وسد التهميش. 

بذلك تُفوت الفرصة على المتمردين ودعاوى الجهاد، وتُبنى ثورة ثقافية تُعيد الوعي لإنسان السودان، فيتجه لحل النزاعات بالعرف السائد، ويُدرك أن الدولة وُجدت لتسد منافذ الخراب لا لتفتحها.


خَاتِمَةٌ:

إنَّ هذا الطرح ليس سوى محاولة لالتقاط الخيط من ماضٍ مُشوَّه، لنُعيد رسم الحاضر على أسسٍ متينة. 

السودان الذي جنى القطن يوماً، لا يجوز أن يظل يجني السراب. 

الإصلاح هنا ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية، تُعيد للبلاد عافيتها، وتُخرجها من دائرة الطامعين إلى رحابٍ أوسع من الأمن والتنمية والكرامة.


الإسكندرية 31 يوليو 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10422
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.