لماذا دمياط؟.. كيف تحوّل الهجوم على ميناء مصري إلى رسالة لأسواق الطاقة العالمية
حين أصابت طائرة مسيّرة سفينتين للغاز في ميناء دمياط المصري، لم يكن الحدث مجرد حريق تم إخماده خلال ساعات، بل تحوّل سريعًا إلى نقطة تحوّل في خريطة استهداف منشآت الطاقة بالمنطقة. فلأول مرة منذ اندلاع أزمة مضيق هرمز مطلع العام، يخرج الاستهداف من رقعة الخليج التقليدية ليصل إلى ميناء على البحر المتوسط، بعيدًا عن ساحة الاشتباك المباشرة بين واشنطن وطهران.
من هرمز إلى المتوسط: اتساع رقعة الاستهداف
بدأت أزمة مضيق هرمز في 28 فبراير 2026 عقب ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة على إيران، فردّت طهران بصواريخ وطائرات مسيّرة طالت قواعد أمريكية ومنشآت طاقة في دول خليجية، من بينها الإمارات وقطر والبحرين. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت المواجهة تدريجيًا من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى الضغط على شبكات الطاقة والمياه والنقل التي يقوم عليها الاقتصاد والحياة اليومية في المنطقة.
من أبرز محطات هذا التصعيد:
استهداف مصفاة المنقف في الكويت منتصف يوليو، والتهديد الأمريكي المعلن بقصف محطة طاقة إيرانية مقابل كل هجوم على سفينة في هرمز، إلى جانب تقديرات بأن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة الخليجية قد تتجاوز 50 مليار دولار خلال العام، من بينها منشآت كبرى مثل مجمع رأس لفان القطري، أكبر مجمع لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم.
ويمثّل استهداف دمياط خروجًا واضحًا عن الجغرافيا المعتادة للصراع. فالميناء يقع على البحر المتوسط، بعيدًا عن مضيق هرمز وخطوط الإمداد الخليجية التي كانت حتى الآن محور الاستهداف المتبادل.
لماذا دمياط تحديدًا؟
يكمن جواب هذا السؤال في طبيعة الميناء نفسه: فدمياط لا يخدم السوق المصرية أو الإقليمية فقط، بل يضم منشآت لإسالة الغاز الطبيعي وتخزينه وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية، بما فيها أوروبا التي تعتمد بشكل متزايد على الغاز المسال كبديل عن الإمدادات الروسية منذ سنوات.
وهذا ما يجعل أي خلل في تشغيله ذا صدى يتجاوز مصر إلى معادلة أمن الطاقة الأوروبي والعالمي.
وطبقا لما نقلته "نيويورك تايمز" عن مصدرين إيرانيين، فإن الهجوم كان يهدف إلى توجيه رسالة مفادها أن إمدادات الطاقة العالمية وحركة الشحن الدولية ليست بمنأى عن التصعيد الجاري في المنطقة، حتى خارج بؤرة الاشتباك الأصلية في الخليج.
بعبارة أخرى: إذا كانت الضربات السابقة تستهدف تعطيل التصدير عبر هرمز، فإن ضرب دمياط يوسّع الرسالة لتشمل الطرق البديلة التي قد تلجأ إليها الأسواق للالتفاف على أزمة المضيق.
الدلالة الرمزية أهم من الحجم
من الناحية العملية، الضرر الذي خلّفه الهجوم كان محدودًا: حريق تمت السيطرة عليه سريعًا، بلا إصابات، واستئناف شبه فوري للعمليات في الميناء.
لكن الرسالة السياسية للهجوم تبدو أكبر من حجمه الفعلي؛ فاختيار هدف خارج مسرح العمليات المعتاد، وفي بلد ليس طرفًا مباشرًا في الصراع الأمريكي-الإيراني، يوحي بمحاولة لإثبات أن نطاق التهديد لم يعد محصورًا جغرافيًا، وأن أي حلقة في سلسلة إمداد الغاز العالمية قابلة للاستهداف من حيث المبدأ.
هذا ما يفسّر حجم وسرعة الإدانات العربية والدولية التي تلت الحادث؛ فالدول المصدّرة للطاقة في المنطقة (وعلى رأسها قطر والسعودية) ترى في استهداف دمياط تهديدًا لمصالحها الخاصة بقدر ما هو تهديد لمصر، باعتبار أن أي سابقة لضرب بنية تحتية للغاز خارج مناطق النزاع التقليدية قد تفتح الباب أمام استهداف مماثل لمنشآتها هي.
الخلاصة
يضع هجوم دمياط أمن الطاقة الإقليمي أمام معادلة جديدة: الصراع الدائر في الخليج لم يعد بالضرورة مضبوطًا بحدود جغرافية واضحة، وأي منشأة طاقة تصل شبكات التصدير العالمية بالأسواق قد تتحول إلى ورقة ضغط، بصرف النظر عن موقعها من ساحة الاشتباك الأصلية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك