محمد عبد المقصود… الرجل الذي أعاد للصحراء صوتها
هناك رجال لا يمرون في التاريخ مثل الآخرين. لا يتركون وراءهم مجرد أسماء في سجلات الوظائف، ولا صورًا معلقة على جدران المؤسسات، بل يتركون شيئًا أكثر عمقًا: يتركون علاقة جديدة بين الإنسان والمكان. وحين يرحل هؤلاء، لا يكون الرحيل نهاية، بل بداية لحضور آخر؛ حضور الذاكرة والعطاء والأثر.
كان الدكتور محمد عبد المقصود واحدًا من هؤلاء الرجال الذين اختاروا طريقًا صعبًا، طريق البحث عن الإنسان القديم في صمته الطويل، بين الرمال والحجارة وبقايا المدن التي غادرتها الحياة منذ آلاف السنين. كان من أولئك الذين أدركوا أن الأثر ليس حجرًا صامتًا، بل صفحة مفتوحة من كتاب الإنسانية، وأن وظيفة عالم الآثار ليست فقط أن يكتشف ما تحت الأرض، بل أن يمنح الماضي القدرة على الحديث إلى الحاضر.
في عالم الآثار، هناك فرق كبير بين من يكتشف موقعًا أثريًا، ومن يعيد اكتشاف علاقة الإنسان بأرضه. والدكتور محمد عبد المقصود كان من النوع الثاني. فقد ارتبط اسمه بأرض من أكثر أراضي مصر خصوصية وتعقيدًا: شمال سيناء، تلك البوابة الشرقية لمصر التي كانت عبر العصور منطقة عبور وصراع وتواصل بين الحضارات.
كانت سيناء بالنسبة إليه ليست مجرد صحراء قاسية، بل كانت كتابًا مفتوحًا ينتظر من يقرأه. وبين كثبانها ورمالها، بحث عن آثار الجنود والملوك والرحلات القديمة، وعن الشواهد التي تثبت أن مصر لم تكن حضارة نهر فقط، بل كانت أيضًا حضارة حدود وطرق وتواصل.
ومن بين أهم ما ارتبط باسمه العمل على طريق حورس، ذلك الطريق التاريخي العظيم الذي كان يمثل شريانًا عسكريًا وحضاريًا لمصر القديمة. لم يكن طريقًا عاديًا، بل كان شاهدًا على رؤية المصري القديم للأمن والدولة والتنظيم. فعلى امتداده أقيمت القلاع والحصون ومحطات المراقبة، ليصبح الطريق جزءًا من منظومة دفاعية متقدمة تعكس عبقرية الإدارة المصرية القديمة.
لقد أعاد الدكتور محمد عبد المقصود لهذا الطريق روحه، فلم يعد مجرد اسم يرد في النصوص القديمة، بل أصبح مكانًا حيًا يمكن للباحث والزائر أن يقرأ فيه صفحات من تاريخ مصر العسكري والسياسي.
كان يؤمن أن الأثري الحقيقي لا يبحث عن الأشياء فقط، بل يبحث عن المعاني. فالتمثال ليس مجرد قطعة حجر، والمعبد ليس مجرد بناء قديم، والقلعة ليست مجرد جدران منهارة؛ إنها كلها أصوات بشر عاشوا قبلنا، أحبوا وخافوا وحلموا ودافعوا عن أرضهم.
وهكذا أصبح عمله رحلة في أعماق الزمن، رحلة لاكتشاف الإنسان قبل اكتشاف الحجر.
عالم الآثار الذي حمل الوطن في قلبه
لم يكن الدكتور محمد عبد المقصود من العلماء الذين يبحثون عن الشهرة، فقد كان ينتمي إلى مدرسة علمية ترى أن قيمة الباحث فيما يتركه من معرفة، لا فيما يحصل عليه من أضواء. كان رجل ميدان بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ يعرف حرارة الشمس فوق المواقع الأثرية، ويعرف معنى الانتظار الطويل أمام طبقة من الرمال قد تخفي سرًا عمره آلاف السنين.
كان قريبًا من الأرض، قريبًا من العمال والباحثين والشباب الذين يعملون في صمت من أجل كشف أسرار الماضي. وكان يدرك أن علم الآثار ليس عمل فرد واحد، بل هو جهد جماعي تشترك فيه أجيال متعاقبة.
وحين تولى مسؤوليات قيادية في المجلس الأعلى للآثار، لم يتخلَّ عن شخصية الباحث بداخله. ظل ينظر إلى المنصب باعتباره تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا امتيازًا. كان يعرف أن الإدارة الثقافية الناجحة تحتاج إلى عقل العالم وقلب الإنسان.
لقد عاش الدكتور محمد عبد المقصود زمنًا كانت فيه الآثار المصرية تواجه تحديات كبيرة؛ من الحاجة إلى الحماية، إلى ضرورة تطوير العمل العلمي، إلى أهمية تعريف العالم بقيمة التراث المصري. وكان جزءًا من جيل حمل مسؤولية الانتقال بعلم الآثار المصرية من مرحلة الاكتشاف التقليدي إلى مرحلة أكثر اتساعًا، تجمع بين البحث العلمي والحفاظ على التراث والتواصل مع المجتمع.
لكن ربما يبقى أجمل ما في سيرته هو علاقته بالمكان. فهناك علماء يرتبطون بأسماء المواقع، وهناك علماء ترتبط المواقع بأسمائهم. وحين نذكر شمال سيناء وطريق حورس والقلاع الشرقية، فإننا نستحضر جهد رجل عاش جزءًا كبيرًا من حياته وهو يحاول أن يعيد لهذه الأرض صوتها التاريخي.
كان يدرك أن سيناء ليست هامشًا في قصة مصر، بل قلب من قلوبها. فمن خلالها عبرت الجيوش، وانتقلت التجارة، وتواصلت مصر مع العالم القديم. ولذلك كان الدفاع عن آثارها دفاعًا عن جزء أساسي من هوية الوطن.
إن أعظم ما يتركه عالم الآثار ليس عدد الاكتشافات التي سجلها فقط، بل الطريقة التي غيّر بها نظرتنا إلى الماضي. والدكتور محمد عبد المقصود غيّر نظرتنا إلى سيناء، وجعلنا نراها ليس فقط كأرض حدود، بل كأرض حضارة وذاكرة وإنسان.
لقد كان يؤمن، مثل كبار علماء الآثار، بأن الحضارة لا تموت، لكنها تحتاج دائمًا إلى من يصغي إليها. وكان هو واحدًا ممن امتلكوا القدرة على الإصغاء.
الأثر الذي يبقى بعد الرحيل
يرحل الإنسان، لكن بعض البشر يتركون وراءهم حياة أخرى تبدأ بعد الرحيل. حياة تسكن في أعمالهم، وفي تلاميذهم، وفي الأماكن التي ارتبطت بأسمائهم.
والدكتور محمد عبد المقصود من هؤلاء الذين سيظل حضورهم قائمًا في ذاكرة الآثار المصرية. ستظل المواقع التي عمل بها تحمل جزءًا من قصته، وستظل الأجيال الجديدة من الأثريين تتعلم من تجربته أن العمل العلمي الحقيقي يحتاج إلى الصبر والإخلاص والإيمان بقيمة ما نقوم به.
لقد كان عالم آثار في زمن أصبحت فيه الحضارة بحاجة إلى من يدافع عنها لا بالكلمات فقط، بل بالبحث والعلم والعمل. كان يعرف أن حماية الماضي ليست حنينًا إليه، بل مسؤولية تجاه المستقبل. فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها.
إن رحيل الدكتور محمد عبد المقصود يمثل خسارة كبيرة لأسرة الآثار المصرية، وللمجلس الأعلى للآثار، ولوزارة السياحة والآثار، ولكل الباحثين الذين عرفوه عن قرب. لكنه في الوقت نفسه يمثل مناسبة للتوقف أمام قيمة العلماء الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء، ويصنعون بصمت جزءًا من تاريخ الوطن.
في زمن يكثر فيه الحديث عن الشهرة السريعة، يذكرنا هؤلاء العلماء بأن هناك نوعًا آخر من المجد؛ مجد يأتي من العمل الطويل، ومن المعرفة، ومن خدمة شيء أكبر من الذات.
لقد كان الدكتور محمد عبد المقصود حارسًا من حراس الذاكرة المصرية. لم يحمل سلاحًا، لكنه حمل المعرفة. لم يبنِ قصورًا، لكنه ساهم في بناء جسر بين الماضي والحاضر. لم يبحث عن الخلود الشخصي، لكنه ترك أثرًا يمنحه خلودًا حقيقيًا.
فالحضارات لا تبقى فقط بالمعابد والتماثيل، بل تبقى أيضًا بالرجال الذين يكرسون حياتهم لفهمها وحمايتها.
وسيبقى اسم الدكتور محمد عبد المقصود مرتبطًا بأرض سيناء، بطريق حورس، بتاريخ مصر الشرقي، وبكل حجر أعاد إليه صوته. سيبقى حاضرًا في ذاكرة زملائه وتلاميذه، وفي صفحات علم المصريات، وفي وجدان كل من يؤمن بأن خدمة الحضارة رسالة نبيلة.
رحم الله الدكتور محمد عبد المقصود، العالم والإنسان، وأسكنه فسيح جناته.
فقد رحل الرجل، لكن بقي الأثر… وبقيت الحجارة التي أعاد إليها صوتها تروي حكايته.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك