من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

نولان وهوميروس: عندما تنتصر السينما على الأسطورة... أم تنتصر الأسطورة على السينما؟

دكتور حسين عبد البصير
نولان وهوميروس: عندما تنتصر السينما على الأسطورة... أم تنتصر الأسطورة على السينما؟


ليست المشكلة في أن يغيّر مخرجٌ كبير مثل كريستوفر نولان تفاصيل أسطورة عمرها ما يقرب من ثلاثة آلاف عام، فالفن لا يعيش إلا بالتجديد، والأساطير نفسها لم تكن يومًا نصوصًا جامدة، بل كانت تتبدل مع كل راوٍ، وتتلون مع كل عصر. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول التجديد إلى غاية في ذاته، وعندما تصبح الرغبة في الإدهاش أقوى من الرغبة في الفهم، فيولد عمل يثير الضجيج أكثر مما يثير الدهشة.


هكذا وجدت نفسي أتأمل الجدل الذي صاحب فيلم «الأوديسة». لم يشغلني السؤال التقليدي: هل الفيلم جيد أم سيئ؟ بل سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما يلتقي شاعر مثل هوميروس بمخرج مثل كريستوفر نولان؟


في تلك اللحظة، لا يصبح الصراع بين الماضي والحاضر، وإنما بين رؤيتين للعالم. الأولى ترى الإنسان بطلًا يتصارع مع القدر والآلهة والطبيعة، والثانية ترى الإنسان سجينًا لأفكاره وألغاز الزمن وتشابكات الوعي. هوميروس يروي حكاية رحلة، أما نولان فعادةً ما يروي متاهة.


ولهذا فإن تحويل «الأوديسة» إلى فيلم ليس مجرد نقل أحداث من كتاب إلى شاشة، بل هو إعادة خلق لروح النص. وهنا تكمن المغامرة، وقد تكمن أيضًا الخسارة.


لقد بقيت «الأوديسة» حية آلاف السنين لأنها لم تكن مجرد قصة عودة ملك إلى وطنه، بل كانت رحلة الإنسان في البحث عن ذاته. أوديسيوس لم يكن أعظم المحاربين، ولم يكن أنبلهم، لكنه كان الأكثر ذكاءً والأكثر قدرة على النجاة. كان ينتصر بالعقل أكثر مما ينتصر بالسيف، ولذلك ظل قريبًا من الإنسان في كل زمان.


أما بوليفيموس، ذلك العملاق ذو العين الواحدة، فلم يكن مجرد وحش مرعب. لقد كان رمزًا للقوة العمياء التي لا ترى إلا نفسها. وعندما يفقد عينه الوحيدة، لا يفقد البصر فقط، بل يفقد وهم السيطرة المطلقة. هنا تتحول الأسطورة إلى فلسفة. ولذلك فإن شكل العملاق ليس هو القضية الأساسية، وإنما نجاح الفيلم في نقل هذه الدلالة الرمزية.


وكذلك الأمر بالنسبة إلى أثينا. لم تكن مجرد إلهة جميلة تظهر لتنقذ البطل، بل كانت تجسيدًا للحكمة والعقل والتدبير. أما كاليبسو، فلم تكن امرأة عاشقة فحسب، بل كانت رمزًا للإغراء الأبدي الذي يدعو الإنسان إلى التخلي عن رسالته مقابل الخلود والراحة. إنها سؤال فلسفي أكثر منها شخصية درامية.


لهذا فإن أي معالجة سينمائية لهذه الشخصيات مطالبة بأن تحافظ على جوهرها حتى لو غيّرت شكلها. فالفن لا يقاس بمدى مطابقته للنص، وإنما بمدى وفائه لروحه.


ولعل أكثر ما يلفت النظر في الجدل حول الفيلم ليس الفيلم نفسه، بل حالة الاستقطاب التي ولدها. هناك من اعتبر كل تغيير عبقرية، وهناك من رأى كل اختلاف خيانة لهوميروس. والحقيقة أن الفن لا يعرف هذه الثنائيات الحادة.


فالأسطورة اليونانية نفسها أعيدت كتابتها عشرات المرات منذ العصور القديمة. وسوف يعيد كتابتها مخرجون وروائيون وفنانون بعد نولان أيضًا. لكن ما يبقى في النهاية ليس الضجيج الإعلامي، وإنما العمل القادر على أن يعيش في ذاكرة البشر.


ولعل المقارنة التي يعقدها كثيرون مع فيلم «طروادة» تستحق التأمل. فذلك الفيلم اختار أن يقدم ملحمة بطولية مباشرة، بينما يبدو أن أي معالجة حديثة للأوديسة ستسعى إلى تقديم قراءة أكثر تأملًا وتعقيدًا. ولكل منهما جمهوره ومعاييره، ولا يكفي الاختلاف وحده للحكم بالتفوق أو الإخفاق.


إن السينما ليست كتابًا مصورًا، كما أن الأسطورة ليست نصًا مقدسًا. وبين الاثنين مساحة واسعة للإبداع، لكنها أيضًا مساحة واسعة للمجازفة.


وربما لهذا السبب تحديدًا لا ينبغي أن نسأل بعد مشاهدة أي اقتباس سينمائي: هل كان أمينًا لهوميروس؟ بل نسأل سؤالًا أكثر عمقًا: هل استطاع أن يضيف طبقة جديدة إلى الأسطورة، أم اكتفى بأن يبدل أقنعتها؟


فالأساطير العظيمة لا تموت لأنها قابلة للتأويل إلى ما لا نهاية. أما الأفلام، مهما بلغت ميزانياتها أو حملت أسماء كبار المخرجين، فهي وحدها التي يقرر الزمن إن كانت ستصبح جزءًا من الأسطورة... أم مجرد حاشية عابرة في تاريخها؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10434
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.