من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

لماذا تواصل البنوك المركزية شراء الذهب رغم الأسعار القياسية؟

القاهرة : خالد شحاتة
لماذا تواصل البنوك المركزية شراء الذهب رغم الأسعار القياسية؟



البنوك المركزية تكسر منطق "البيع عند القمة"


يفترض كثير من المستثمرين الأفراد أن وصول أي أصل إلى مستويات سعرية قياسية هو الإشارة المثلى للبيع وجني الأرباح. غير أن سلوك البنوك المركزية حول العالم تجاه الذهب يسير في اتجاه معاكس تمامًا لهذا المنطق، إذ تواصل هذه المؤسسات الشراء بكثافة حتى في أوقات ارتفاع الأسعار أو تقلبها الحاد.

بيانات مجلس الذهب العالمي (World Gold Council) الصادرة نهاية يوليو 2026 ضمن تقرير "اتجاهات الطلب على الذهب" للربع الثاني من العام، كشفت أن البنوك المركزية العالمية اشترت صافي 288.9 طن من الذهب خلال الربع الثاني، بزيادة نحو 62% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025 التي سجلت 177.9 طن، وبقفزة تفوق خمسة أضعاف مقارنة بالربع الأول من 2026 الذي تراجعت فيه المشتريات إلى 57 طنًا فقط بعد مراجعة البيانات.

اللافت في هذه الأرقام أن موجة الشراء جاءت في وقت شهدت فيه أسعار الذهب تراجعًا فصليًا حادًا بلغ نحو 16%، وهو الأسوأ من نوعه منذ عام 2013 وفقًا لتحليلات مواكبة لتقرير المجلس، ما يعني أن البنوك المركزية لم تكن تشتري عند "قمم" سعرية صريحة، بل استمرت في التراكم حتى مع تراجع الأسعار، في مؤشر إضافي على أن قرارها لا يرتبط بتوقيت السوق القصير.

من الذي اشترى؟ ومن الذي باع؟

تصدر البنك المركزي البولندي قائمة المشترين للربع الثاني بإضافة 51 طنًا، ليرفع احتياطياته إلى 632 طنًا بنهاية يونيو، وبإجمالي 82 طنًا خلال النصف الأول من العام، في مسار يقترب به من هدفه المعلن بالوصول إلى نحو 700 طن من الذهب ضمن احتياطياته.

وجاء البنك المركزي الصيني (بنك الشعب الصيني) في المرتبة الثانية بشراء 33 طنًا، وهي أكبر إضافة فصلية له منذ الربع الرابع من عام 2023، لترتفع احتياطياته المعلنة إلى 2346 طنًا. كما أشارت تحليلات المجلس إلى تدفقات استيراد غير معلنة إلى لندن تتسق مع تراكم صيني إضافي لم يظهر بعد في الأرقام الرسمية.

ومن بين المشترين البارزين أيضًا أوزبكستان بـ16 طنًا، وكازاخستان بـ15 طنًا، والأردن وجمهورية التشيك بواقع 6 أطنان لكل منهما.

في المقابل، برزت روسيا كأكبر بائع خلال الربع، إذ باع بنكها المركزي نحو 22 طنًا، في خطوة ترتبط – بحسب تقارير – بمحاولة سد عجز الموازنة الفيدرالية الذي اقترب من 6 تريليونات روبل خلال النصف الأول من 2026.

أما تركيا، التي كانت أكبر بائع في الربع الأول، فقد خفّفت وتيرة تصريف احتياطياتها إلى 4 أطنان فقط.

لماذا لا يبيع البنك المركزي عند الأسعار القياسية؟

الفارق الجوهري هو أن البنك المركزي لا يتعامل مع الذهب كأداة استثمارية للمضاربة قصيرة الأجل، وإنما كأصل احتياطي استراتيجي، فبينما يسأل المستثمر العادي: "هل الذهب غالٍ الآن أم رخيص؟"، يطرح صانع القرار في البنك المركزي سؤالًا مختلفًا جوهريًا: "هل يعزز هذا الأصل من  احتياطيات الأمان للدولة على المدى الطويل؟".

هذا التوجه يخدم ثلاثة أهداف رئيسية بالنسبة للبنوك المركزية:

حماية الاحتياطيات النقدية من التآكل في الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.

تنويع الأصول والابتعاد عن الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الأخرى.

تقليل الحساسية تجاه العقوبات المالية والتقلبات في النظام النقدي الدولي.

وتؤكد بيانات مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026 هذا التوجه، إذ أفاد 89% من مديري الاحتياطيات في البنوك المركزية أنهم يتوقعون ارتفاع احتياطيات الذهب العالمية خلال الأثني عشر شهرًا القادمة، فيما توقع نحو 74% منهم خفض حيازاتهم من الدولار الأمريكي على مدى السنوات الخمس المقبلة.

طلب مؤسسي يقابله تباطؤ استهلاكي

في مقابل استمرار شهية البنوك المركزية، شهد الطلب الاستهلاكي على الذهب تباطؤًا واضحًا؛ إذ تراجع الطلب العالمي على المجوهرات إلى 278 طنًا خلال الربع الثاني، وهو من أضعف المستويات المسجلة تاريخيًا، مع تراجع سنوي بلغ 17%، نتيجة إحجام المستهلكين عن الشراء بسبب ارتفاع الأسعار وتحوّلهم نحو منتجات أخف وزنًا. ورغم ذلك، ارتفعت القيمة الإجمالية لطلب المجوهرات بنسبة 22% على أساس سنوي لتبلغ 86 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، بفعل ارتفاع الأسعار نفسها.

أما في منطقة الشرق الأوسط، فقد سجلت الإمارات نموًا لافتًا في الطلب الاستثماري على الذهب بنسبة 34% على أساس ربع سنوي و30% على أساس سنوي، ليصل إلى 5.3 طن، لتتصدر طلب الاستثمار في المنطقة.

القراءة الاستراتيجية: أفق زمني مختلف تمامًا

يكمن جوهر الفارق بين سلوك المستثمر الفردي والمؤسسات الرسمية في الأفق الزمني لصنع القرار. فبينما يفكر المستثمر العادي في حركة الأسعار خلال أسابيع أو أشهر، تبني البنوك المركزية احتياطياتها بعقلية تمتد لسنوات، بل لعقود، بما يتجاوز دورات السوق القصيرة والتقلبات الفصلية.

وحين يواصل أكبر مشترٍ في سوق الذهب – وهو المؤسسات الرسمية النقدية – تعزيز مراكزه رغم الأسعار المرتفعة تاريخيًا وتقلباتها الحادة، فإن ذلك يحمل في طياته رسالة ضمنية حول تقييم هذه المؤسسات لمخاطر النظام النقدي والجيوسياسي في المرحلة المقبلة، بما يفسر تمسّكها بالذهب كصمام أمان استراتيجي لا كأداة مضاربة عابرة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10443
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.