من دقائق عند حافة الفضاء إلى أيام في المدار.. كيف تتشكل ملامح صناعة السياحة الفضائية؟
إطلاق صاروخ "نيو شيبرد" التابع لبلو أوريجن — مناسبة لقسم "توقف بلو أوريجن"
لم تعد رحلات الفضاء حكراً على رواد الفضاء المحترفين التابعين لوكالات حكومية. فمنذ مطلع العشرينيات من هذا القرن، تحولت تجربة الخروج من الغلاف الجوي إلى منتج تجاري تتنافس على تقديمه شركات خاصة، بأسعار تتراوح بين مئات الآلاف وعشرات الملايين من الدولارات. لكن عام 2026 كشف أن هذه الصناعة الناشئة، رغم زخمها الإعلامي، ما زالت تصارع من أجل إثبات جدواها الاقتصادية، بعدما توقفت أبرز شركتين في القطاع عن تسيير رحلاتهما في وقت شبه متزامن.
عقدان من التجربة.. 140 سائحاً فقط
منذ أن دفع رجل الأعمال الأمريكي دينيس تيتو نحو 20 مليون دولار عام 2001 مقابل رحلة إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة سويوز الروسية، وحتى مطلع عام 2026، لم يتجاوز عدد السياح الذين وصلوا فعلياً إلى الفضاء 140 شخصاً على مدى 25 عاماً. الرقم المتواضع يعكس حجم التحديات التقنية والمالية التي ما زالت تحد من اتساع هذه السوق، رغم أن بعض التقديرات كانت قد توقعت نمواً أسرع بكثير.
بلو أوريجن.. توقف مفاجئ لصالح القمر
كانت شركة "بلو أوريجن" المملوكة لجيف بيزوس، مؤسس أمازون، صاحبة النصيب الأكبر من رحلات السياحة دون المدارية، إذ نقلت مركبتها "نيو شيبرد" ما مجموعه 92 راكباً فريداً عبر 38 رحلة استمرت كل منها نحو عشر دقائق، تجاوز خلالها الركاب "خط كارمان" الذي يُعتبر تقليدياً الحد الفاصل بين الغلاف الجوي والفضاء عند ارتفاع 100 كيلومتر. ومن أبرز من طاروا على متنها بيزوس نفسه، والممثل ويليام شاتنر، والمغنية كاتي بيري.
غير أن الشركة أعلنت في 30 يناير 2026، بعد أيام فقط من رحلتها الروتينية الثامنة والثلاثين، تعليق برنامج "نيو شيبرد" السياحي لمدة لا تقل عن عامين، لتوجيه مواردها الهندسية نحو برنامج "بلو مون"، مركبة الهبوط القمري التي تطورها الشركة ضمن برنامج ناسا "أرتميس". وجاء هذا القرار قبل أن تتعرض الشركة لنكسة أكبر، حين انفجر صاروخها الثقيل "نيو غلين" -وهو طراز مختلف وأكبر حجماً، مخصص لإطلاق حمولات القمر- على منصة الإطلاق في مركز كيب كانافيرال بولاية فلوريدا في 28 مايو 2026، ما فتح الباب أمام أشهر من التحقيق في أسباب الحادث وأثره على الجدول الزمني لبرنامج "أرتميس".
فيرجن غالاكتيك تحاول ملء الفراغ
في المقابل، لم تُسيّر شركة "فيرجن غالاكتيك" التي أسسها البريطاني ريتشارد برانسون أي رحلة سياحية منذ عام 2024، بعدما أوقفت تشغيل مركبتها "يونيتي" لتطوير جيل جديد من مركباتها الفضائية الشراعية يحمل اسم "دلتا". ومنذ إطلاق أول رحلة تجارية للشركة، نقلت "فيرجن غالاكتيك" 23 سائحاً فقط خلال 22 عاماً من عمر المشروع، بسعر تذكرة يبلغ نحو 450 ألف دولار.

ومع تعليق "بلو أوريجن" لرحلاتها، رأى برانسون في مؤتمر فضائي بلندن في مارس 2026 فرصة لشركته لتملأ الفراغ الذي تركه منافسها، معلناً أن مركبته الجديدة القادرة نظرياً على تنفيذ عدة رحلات أسبوعياً ستعيد "فيرجن غالاكتيك" إلى الخدمة التجارية بحلول نهاية عام 2026.
المدار البعيد.. سبيس إكس وأكسيوم سبيس يستهدفان محطة الفضاء الدولية
على عكس الرحلات دون المدارية التي تستمر دقائق معدودة، تتيح شركة "سبيس إكس" عبر مركبتها "كرو دراغون" رحلات مدارية كاملة تستمر أياماً أو أسابيع، غالباً بالشراكة مع شركة "أكسيوم سبيس" التي تنظم "بعثات رواد الفضاء الخاصة" إلى محطة الفضاء الدولية بالتنسيق مع ناسا. فقد نفّذت "أكسيوم" أربع بعثات خاصة حتى الآن، كان آخرها بعثة "أكسيوم 4" التي انطلقت في يونيو 2025 واستمرت 20 يوماً على متن كبسولة "غرايس"، ضمّت طاقماً دولياً من الهند وبولندا والمجر بقيادة رائدة الفضاء الأمريكية المخضرمة بيغي ويتسون.
وفي 30 يناير 2026، أعلنت ناسا اختيار "أكسيوم سبيس" لتنفيذ بعثتها الخاصة الخامسة "أكسيوم 5"، المقرر إطلاقها في موعد لا يسبق يناير 2027 لتمضي حتى 14 يوماً على متن المحطة، بالتعاون هذه المرة مع شركة "فوييجر تكنولوجيز" في تجهيز الحمولات العلمية. وفي مؤشر على اتساع دائرة المنافسة، منحت ناسا البعثة السادسة، لأول مرة، لشركة أخرى غير "أكسيوم" هي "فاست"، في خطوة تكسر احتكاراً استمر منذ انطلاق برنامج الرحلات الخاصة عام 2019.
فجوة الأسعار.. من 125 ألف دولار إلى 55 مليوناً
تتفاوت تكلفة تجربة السياحة الفضائية بشكل حاد بحسب نوع الرحلة وارتفاعها ومدتها. فبينما تقترب تذاكر الرحلات دون المدارية القصيرة، التي تمنح الراكب بضع دقائق من انعدام الجاذبية وإطلالة على انحناء الأرض، من نطاق 450 ألف دولار لدى "فيرجن غالاكتيك"، ترتفع تكلفة الرحلات المدارية الكاملة إلى محطة الفضاء الدولية إلى عشرات الملايين من الدولارات للمقعد الواحد، لتشمل أسابيع من التدريب وأياماً في المدار وسط برنامج علمي كثيف.
وتشير تقديرات صناعية حديثة إلى أن القيمة الإجمالية لسوق السياحة الفضائية بلغت نحو 1.3 إلى 1.9 مليار دولار حتى عام 2025، وهو رقم لا يزال متواضعاً مقارنة بالتوقعات الطموحة التي رافقت انطلاق القطاع قبل نحو خمس سنوات.
سوق واعدة لكنها ما زالت تبحث عن نموذج مستدام
يكشف مشهد عام 2026 مفارقة لافتة: في اللحظة التي تراجعت فيها الشركتان الرائدتان في الرحلات دون المدارية عن الاستمرار بالوتيرة نفسها، تتوسع منظومة الرحلات المدارية الخاصة عبر شراكات أكسيوم سبيس وسبيس إكس، وسط دخول لاعبين جدد إلى السوق.
ويبدو أن القطاع يعيد تعريف أولوياته: فبالنسبة لبلو أوريجن، أصبح القمر أولوية تفوق السياحة الترفيهية قصيرة الأمد، بينما تراهن فيرجن غالاكتيك على جيل جديد من المركبات لإعادة إحياء نموذجها التجاري. أما الرحلات المدارية الطويلة، فتبدو الأقرب إلى ترسيخ نفسها كصناعة قائمة بذاتها، مدعومة بعقود ناسا وشراكات القطاع الخاص، في وقت تستعد فيه محطة الفضاء الدولية لدخول سنواتها الأخيرة من الخدمة قبل أن يخلفها جيل جديد من المحطات التجارية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك