شاعر إشراقة
مقدمة
رحل منذ أيام قليلة من تربطني به أواصر القرابة النقابي الشهير في حقبة الستينات في مشروع الجزيرة الأستاذ محجوب حسن حامد.
تعرفت إليه في مدينة عطبرة بعد تعرضه للاعتقال والطرد من الخدمة في محنة يوليو 1971. كان قد درس في عطبرة الثانوية (1955–1959).
كنا حينها ندرس في مقرر المحفوظات قصيدة نرددها في المطارحة الشعرية في الجمعية الأدبية:
يا دُرة حَفَها النُيــل
وَاِحتَواها البر
صَحى الدُجى وَتَغشاك
في الأُسرة فَجر
فأخبرني عن حبه العميق للشاعر الراحل التجاني يوسف بشير، وقد أطلق اسم ديوانه الشعري إشراقة على مولوده الأول.
النص الشعري
قم يا طرير الشباب
غنِّ لنا غنِّ
يا حلو يا مستطاب
أنشودة الجن
وأقطف لي الأعناب
وأملأ بها دني
من عبقري الرباب
أو حرم الفن
سح في الربى والوهاد
واسترقص البيدا
وأسْكب على كل ناد
ما يسحر الغيدا
وفجر الأعواد
رجعاً وترديدا
حتى ترى في البلاد
من فرحةٍ عيدا
وامسح على زرياب
واطمس على معبد
وأمشِ على الأحقاب
وطُف على المربد
وأغشى كنار الغاب
في هدأة المرقد
وحدث الأعراب
عن روعة المشهد
صور على الأعصاب
وأرسم على حسي
جمالك الهياب
من روعة الجرس
واستدنِ باباً باب
وأقعد على نفسي
حتى يجف الشراب
في حافة الكأس
تأويل النص
نداء الفتوة
"قم يا طرير الشباب"؛
ليست مجرد دعوة للنهوض، بل هي صرخة من قلب الحياة، كأن الشاعر يوقظ فينا فتوةً كامنة، ويستدعي من أعماق الزمن طاقةً لا تنطفئ.
الشباب هنا ليس عمرًا يُقاس بالسنوات، بل هو رمزٌ للانبعاث، للروح التي تتجدد كلما ناداها الشعر.
الغناء كطاقة كونية
"غنِّ لنا غنِّ"؛
الغناء هنا ليس صوتاً عابراً، بل هو انسكاب المعنى في نهرٍ من الألحان، حيث الكلمة تتحول إلى وتر، والقصيدة إلى أنشودة كبرى تُعيد تشكيل الوجود.
إنّه غناءٌ يفتح أبواب الكون، يجعل من كل بيتٍ موسيقى، ومن كل كلمةٍ وترًا، حتى يغدو النص نفسه آلةً موسيقيةً تُعزف على أوتار الروح.
العنب والشراب: امتلاء الروح
"وأقطف لي الأعناب وأملأ بها دني"؛
الكأس ممتلئة، والشراب يتدفق من العناقيد حتى يبلغ الحافة.
عند آخر قطرة يسكن المشهد، ويظل الكأس شاخصًا في صمتٍ عميق، كأنه أثرٌ باقٍ بعد انطفاء العزف.
الطبيعة مسرحاً للبهجة
"سح في الربى والوهاد واسترقص البيدا"؛
الطبيعة هنا تتحول إلى مسرحٍ كوني، الربى تُغني، والبيداء ترقص، والإنسان جزءٌ من هذا الاحتفال العظيم.
الأرض نفسها تُشارك في الغناء، كأنها كائن حي يفرح معنا، في وحدةٍ بين الطبيعة والإنسان، حيث لا حدود بين الكائنات، بل كل شيء يذوب في موسيقى واحدة.
العود وعدٌ بالعيد
"وفجر الأعواد رجعاً وترديداً حتى ترى في البلاد من فرحةٍ عيدا"؛
الموسيقى ليست ترفاً، بل وعدٌ بالعيد.
العود حين يُفجَّر بالنغم يُعيد للبلاد فرحتها، ويحوّل الحزن إلى عيدٍ جماعي.
إنّه إعلانٌ بأن الفن قادر على أن يُبدّل وجه الحياة، أن يحوّل البؤس إلى فرح، وأن يجعل من كل وترٍ بدايةً لعيدٍ جديد.
ذاكرة الفن العربي
"وامسح على زرياب واطمس على معبد وأمشِ على الأحقاب وطُف على المربد"؛
هنا يستدعي الشاعر ذاكرة الفن العربي، من زرياب الأندلسي إلى معبد الحجازي، ومن المربد إلى الأحقاب، ليقول إن الشعر السوداني امتداد لذاكرة الأمة كلها.
إنّه يربط الحاضر بالماضي، ويُعيد للأمة فنها الموروث في صورة جديدة، حيث تتلاقى أنغام الأندلس مع أصداء الحجاز، وتذوب في نسيجٍ واحد يفتح أبواب المستقبل.
المشهد الكوني
"وأغشى كنار الغاب في هدأة المرقد وحدث الأعراب عن روعة المشهد"؛
العالم كله يصبح مسرحاً للشعر، الغاب والمرقد والأعراب مشهد واحد، كأن القصيدة رسالة تُحمل من السودان إلى العرب جميعاً.
إنّه مشهدٌ كوني، حيث تتداخل الأزمنة والأمكنة، وتذوب العناصر في صورة واحدة تتوهج بالمعنى وتفيض بالجمال.
الجمال الذي يهزّ الأعصاب
"صور على الأعصاب وأرسم على حسي جمالك الهياب من روعة الجرس"؛
هنا يضع الشاعر الجمال في موضعٍ غير مألوف، فلا يكتفي بالعين ولا بالأذن، بل يجعله يرتعش في الأعصاب ذاتها.
إنّها صورة تُحوّل الإحساس إلى جسدٍ كامل يتلقى الجمال كما يتلقى العصب الكهرباء، وكأنّ اللغة نفسها تتحول إلى تيارٍ داخليّ يوقظ الحواس.
ويجعل من الكلمة تجربةً جسديةً تُعاش كما تُعاش الموسيقى في أوتارها.
الكأس والامتلاء الأخير
"حتى يجف الشراب في حافة الكأس"؛
الكأس على الحافة، والشراب يوشك أن ينتهي.
مشهدٌ يكتمل فيه الامتلاء عند آخر قطرة، ثم يتوقف في صمتٍ عميق.
الشراب ينسحب تاركاً الكأس فارغةً إلا من أثره،
إنّه ختامٌ يشبه النغمة الأخيرة في مجلس الطرب، حين يظل رجعها معلقاً في الهواء، ممتداً في الداخل بلا نهاية.
خاتمة
لقد كان التجاني يوسف بشير شاعراً هماماً، جعل من الشعر إشراقةً لا تنطفئ، ومن الكلمة حياةً تتجدد في كل قراءة. قصيدته هذه ليست غناءً عابراً، بل طاقة حياةٍ تُعيد تشكيل الوجدان، بما فيها من أصالةٍ وعمق، وتفتح أمام المتلقي آفاقاً من الصور المتجددة التي لا تنتهي.
رحم الله الشاعر التجاني يوسف بشير، الذي ترك لنا إرثاً يضيء الطريق للأجيال، وجعل من الشعر جسراً بين الماضي والحاضر، بين الإنسان ودهشته الأولى، وبين السودان والعالم.
الإسكندرية الأول من أغسطس 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك