من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

كيف استطاعت حفنة من المسلمين البدو اجتياح العالم ؟

خالد بيومي
كيف استطاعت حفنة من المسلمين البدو اجتياح العالم ؟


بين "اللامبالاة" وتحولات العصر: كيف يصنع البناء الأخلاقي فارق الحضارات؟

​ يتردد في الأوساط الاجتماعية سؤالٌ جوهري حول الفجوة القيمية بين جيل الأمس وجيل اليوم؛ فبينما اتسمت الأجيال السابقة بالتمسك بالشيم والتربية الفطرية البسيطة التي تغرس حب الوطن والانتماء للتربة، نشهد اليوم حالة من التذمر العام تجاه ما يُ يوصف بـ "طوفان التفاهة" وانعدام البوصلة الأخلاقية.

وأمام هذا الواقع، يتضح جلياً أن التعليم الحديث بريء  فالعلم أداة تنوير ونفع بالضرورة ولا يمكن أن يكون سبباً للتردي السلوكي.

إن تأسيس مجتمع أخلاقي هو الطريق الأفضل لأنهاء الأزمات السياسية ولتطوير ثقافة الإنسان ولتنوير الفكر الديني فالمجتمع الذي تسود فيه أخلاق الرحمة والعدل والعطاء والتواضع والرفق والألفه والصدق والأمانه والوفاء والتكافل والكرم والتسامح والنُبل والمروءة والشهامة والبشاشة والتفهم والإنصاف والإحترام هو مجتمع قريب من الإنسانية والمواطنة والحرية والديمقراطية والمدنية والتعايش والسلام والتحضر والتنور والتفكير والنقد والإصلاح.

يبدأ الانحطاط في المجتمعات متعددة الثقافات الجماعية الحديثة في لحظة لم يعد فيها أي معنى واضح داخل المجتمع. يتم تدمير المعنى من خلال رفع الفردية فوق كل القيم الأخرى لأن الفردية المتفشية تشجع الانتشار الفوضوي للأنانية على حساب القيم التي كانت ذات يوم جزءا من التراث الوطني ، والقيم التي تشكل مفهوم الأمة والدولة القومية ، إلى دولة أكثر من مجرد كيان سياسي ، والتي تتوافق مع شعب معين يدرك تقاسم تراث مشترك من أجل بقائه على استعداد لتقديم تضحيات شخصية. تطور الإنسان في مجموعات متعاونة توحدها روابط ثقافية وجينية مشتركة ، وفقط في مثل هذا الوضع يمكن للفرد أن يشعر بالحرية الحقيقية والحماية الحقيقية.

إن السبب الرئيس يكمن في حالة "اللامبالاة" وانشغال الأبوان —وعلى رأسهم الأم التي تعد حجر الزاوية الأول للتربية—بشواغل جانبية على حساب المهمة الوجودية الأولى، وهي بناء الإنسان؛ مما تسبب في فراغ تربوي يفرز ما وصفه المفكر الراحل الشيخ أحمد الوائلي بـ "جيل باهت ليس له طعم"، وهو النتاج الطبيعي لغياب التوجيه القيمي والتغاضي عن غرس المفاهيم الأصيلة في السنوات الأولى من عمر الطفل.

​إن القوة الحقيقية في صناعة الأخلاق كانت ولا تزال ترتبط بعمق الوعي لدى المرأة؛ فالأمهات في السابق، رغم بساطتهن وعدم حصولهن على مؤهلات أكاديمية، كن يمتلكن رؤية تربوية عميقة قائمة على القدوة والتجذر في الأرض والتربية الصارمة الممزوجة بالحب، وهو ما يعزز مقولة ومايصنع الأخلاق إلا المرأة.

ومن هنا، فإن تراجع هذا الدور أو اختزاله في الجوانب المادية فقط يفتح الباب أمام هويات مشوهة تفقد انتمائها وأخلاقها.

وهذا الدرس التربوي هو ذاته المفتاح التاريخي للرد على كيف استطاع الإسلام—وهو في مرحلة البدايات مجرد حفنة بسيطة من سكان الصحراء—أن يجتاح العالم ويؤسس لإمبراطورية حضارية سادت الشرق والغرب؛ فلم يكن السر في التمدد العسكري  بقدر ما كان في "الانقلاب الأخلاقي" الشامل الذي أحدثته الدعوة الإسلامية، حين جعل النبي ﷺ الغاية الكبرى من بعثته متمثلة في قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

​لقد تحول أولئك الأعراب من مجتمع قبلي يتصارع على الموارد، إلى أمة تضرب أروع الأمثلة في العدل، والإيثار، والأمانة، والوفاء بالعهود، مما جعل سلوكهم العملي يسبق سيفهم في فتح القلوب قبل البلدان.

إن التجربة التاريخية تؤكد أن قوة الشعوب وتمدد حضاراتها لا يُقاس بالشهادات والأرقام وحدها، بل بالنموذج الأخلاقي الشامخ الذي ينطلق من الأسرة ويترجم في الشارع والمؤسسات.

ولا سبيل لاستعادة هذا الميزان اليوم إلا بإعادة الاعتبار لدور الأسرة الواعية، واستغلال العلم والثقافة كأدوات لتعزيز التربية وتأصيل القيم، بدلاً من ترك الأجيال لتيارات الغزو الثقافي والتفاهة المنظمة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10449
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.