ماذا كان يخفي الكون في بداياته خلال أول 600 مليون سنة من عمره
ثقب أسود "شرِه" يتغذى في فجر الكون.. تلسكوب جيمس ويب يكشف سر النقاط الحمراء الصغيرة
كشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لوكالات الفضاء الأمريكية والأوروبية والكندية (ناسا/إيسا/الوكالة الكندية للفضاء) عن ثقب أسود فائق الكتلة يتغذى بشراهة وينمو بسرعة غير مسبوقة، داخل مجرة صغيرة بعيدة تحمل اسم "CANUCS-LRD-z8.6"، في اكتشاف يصفه العلماء بأنه يعيد رسم فهمنا لكيفية تشكّل أوائل الثقوب السوداء العملاقة في الكون.
مجرة عمرها 570 مليون سنة فقط بعد الانفجار العظيم
تقع هذه المجرة في اتجاه كوكبة الأسد (Leo)، ويرصدها التلسكوب كما كانت عليه قبل نحو 570 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم.
وبمساعدة مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة التابع لويب ، تمكّن الباحثون من تأكيد وجود ثقب أسود فائق الكتلة ينمو بنشاط داخل المجرة.
تنتمي CANUCS-LRD-z8.6 إلى فئة غامضة من المجرات البعيدة جداً والصغيرة والخافتة، تُعرف بـ"النقاط الحمراء الصغيرة" وسُمّيت بهذا الاسم لأن ضوءها ينزاح بشدة نحو الأحمر في الطيف تحت الأحمر بسبب بُعدها الهائل عن الأرض.
ومنذ بدء عمل التلسكوب عند نقطة لاغرانج الثانية (L2) في يوليو 2022، ساعدت حساسيته الفائقة للأشعة تحت الحمراء الفلكيين على رصد عشرات المجرات المشابهة عبر تاريخ الكون المبكر.
دليل علمي على ثقب أسود يبتلع المادة بشراهة
قاد فريق الدراسة عالمة الفلك روبرتا تريبودي من جامعة ليوبليانا (سلوفينيا) والمرصد الفلكي في روما، حيث توصل الفريق، اعتماداً على البيانات الطيفية من أداة NIRSpec، إلى أدلة على وجود ثقب أسود يتراكم عليه الغاز بنشاط.
وأظهر التحليل الطيفي وجود غاز شديد التأين في مركز المجرة، وهو ما يشير بقوة إلى أن المجرة تدور بسرعة حول نقطة مركزية، وهي سمة تؤكد وجود ثقب أسود فائق الكتلة ينمو بمعدل أسرع بكثير مما كان الفلكيون يتوقعونه لمجرة في هذه المرحلة المبكرة من عمر الكون.
اللافت أن المجرة نفسها ما تزال مدمجة الحجم ولم تُنتج بعد كميات كبيرة من العناصر الثقيلة، ما يؤكد أنها أيضاً لا تزال في مرحلة تكوّن مبكرة، رغم أن الثقب الأسود بداخلها نما بمعدل يفوق التوقعات.
قد تكون الحلقة المفقودة نحو الكوازارات العملاقة
يرى العلماء أن هذا الاكتشاف قد يمثل حلقة تطورية مفقودة بين الثقوب السوداء الضخمة في الكون المبكر والكوازارات الساطعة التي نرصدها اليوم. فمن المحتمل أن تكون CANUCS-LRD-z8.6 أكثر تطوراً من نقاط حمراء أخرى ذات ثقوب سوداء ومجرات مضيفة أقل كتلة، وقد تكون في طريقها لأن تصبح واحدة من ألمع الكوازارات عند الانزياح الأحمر z=6، بدلاً من أن تبقى نواة مجرية نشطة خافتة كتلك التي رصدها ويب عند هذه المسافات الكونية الشاسعة.
وفي هذا السياق، قالت البروفيسورة ماروشا براداتش، رئيسة الفريق البحثي في جامعة ليوبليانا: إن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مثيرة في فهم كيفية تشكّل أولى الثقوب السوداء فائقة الكتلة في الكون، وأن النمو السريع وغير المتوقع لهذا الثقب الأسود يثير تساؤلات جوهرية حول العمليات التي سمحت لأجسام بهذا الحجم بالظهور في مرحلة مبكرة جداً من عمر الكون.
الخطوة القادمة: رصد مشترك بين ويب وألما
يخطط الفريق البحثي لإجراء مراقبات إضافية باستخدام كل من تلسكوب ويب ومصفوفة أتاكاما الكبيرة للتلسكوبات المليمترية وشبه المليمترية على أمل رصد المزيد من المجرات المشابهة لـCANUCS-LRD-z8.6، بما قد يمنح العلماء رؤية أعمق حول أصل الثقوب السوداء والمجرات في الكون المبكر.
يُذكر أن طبيعة "النقاط الحمراء الصغيرة" لا تزال محل جدل علمي؛ إذ تطرح بعض الفرضيات البديلة أنها قد لا تكون مجرات بالمعنى المعتاد، بل نجوماً بدائية فائقة الكتلة تمر بمراحلها الأخيرة قبل الانفجار كمستعرات عظمى، فيما تعتبرها فرضيات أخرى ثقوباً سوداء محاطة بأغلفة كثيفة من الغاز المتأين والغبار. وقد نُشرت نتائج الدراسة الأساسية حول CANUCS-LRD-z8.6 في دورية Nature Communications.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك