من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

العجائبي كمرآة للاغتراب الإنساني في قصص "هندسة العالم"

أحمد رجب شلتوت
العجائبي كمرآة للاغتراب الإنساني في قصص


  حين اختار القاص الراحل  "محمد عبد المنعم زهران" (1972 – 2022)، عنوانًا لمجموعته القصصية هو "هندسة العالم"، كان يضع القارئ منذ البدء أمام فعلٍ تأويلي، إعادة بناء العالم وترتيبه عبر شبكة من الرموز والعلاقات الخفية. فالهندسة هنا هي محاولة لفهم تناسق الغرابة واللامعقول. فكأنه كان يرى العالم، بكل ما فيه من مصادفات وحوادث وتقاطعات، "هندسة" دقيقة، وإن كانت تستعصي على الفهم المباشر.

 استهل الكاتب مجموعته باقتباس من فرناندو بيسوا: "أوه، أنتم كلّكم، أيها العابرون، كم مرّة خطر بأذهانكم التفكير فيّ، ولم تفعلوا؟"، هذا  التصدير هو الإطار الذي ستعمل عليه القصص لاحقًا، شخصيات على الهامش، مطاردة بالهواجس، تبحث عن معنى في عالم يبدو غريبًا وعدائيًا.

هندسة العالم

     جعل الكاتب من قصة "هندسة العالم" عنوانا للمجموعة، ليجعل منها مفتاحا لقراءتها، ففيها يتكشف أن ما يربط الأحداث والشخصيات هو اعتقاد بوجود شبكة خفية تحكم العالم، تقول صباح:

  "العالم دائرة كبيرة فعلًا، ولكل شخص دائرته الخاصة جدًّا في هذا العالم، وفي داخل هذه الدوائر تتحرك  رموز وإشارات ومسارات وأرقام".

   إنها رؤية كونية ترى أن الحوادث التي تقع هي جزء من معمار غامض، هذه الرؤية تفسر الخوف والريبة بوصفهما وعيًا ناقصًا بهذا النظام الخفي: الشخصيات تشعر أن شيئًا يتحكم فيها، لكنها لا تدرك ماهيته، فتغرق في الشكوك والهواجس.

   من هنا يغدو "الحسد" و"الأرق" و"الخيانة" مجرد مظاهر سطحية، بينما الجوهر هو إدراك هش للتصميم الكوني. ولعل هذا ما يجعل السارد في نهاية القصة يبتسم رغم كل شيء: لقد فهم أن الكراهية التي يلقاها ليست إلا جزءًا من هندسة أكبر، حيث المحبة واللعنة وجهان لعملة واحدة.

العجائبي واليومي     كذلك اتسمت بنية القصص في هذه المجموعة بتداخل العجائبي واليومي، بحيث يتعذر الفصل بين الواقع والخيال. فالكاتب لا يقدم حكايات سحرية صرفة، بل يزرع بذور الغرابة في قلب المألوف، ففي قصة "الأفيال" مثلًا، يبدأ السرد من لحظة عادية: شخص يشعر بأن شيئًا ما سيحدث، ثم يتضخم الإحساس ليأخذ شكل يقين بهجوم أفيال على المدينة. يقول السارد:

"لا أعلم متى ستظهر الأفيال، ولكنني أشعر بأنها تقترب… مجرد إحساس عميق بأنها ستأتي وتهاجمنا"

   ينمو هذا الهوس تدريجيًا حتى يطغى على كل شيء، وتتحول المدينة إلى مسرح لجحافل من الأفيال التي تدفع البشر أمامها. هذا المزج بين الواقعي والعجائبي عند زهران يأخذ طابعًا نفسيًا، فالعجائبي ليس غاية في ذاته بل انعكاس لاضطراب الذات.

  وشخصيات المجموعة هم أفرادٌ معذَّبون بالوحدة والارتياب، مغتربون حتى عن أنفسهم، يتقاطعون مع الآخرين عبر شقوق ضيقة من التوتر أو التلصص أو الحسد، مثلا في قصة "مثل أذني كلب" نرى الراوي يطارد جارتَه وزميلته في العمل "بدور"، التي يعتقد أنها تتجسس على تفاصيل حياته. تتحول ملاحظات عابرة إلى يقين مرضي بأنها تترصده:  "كنت أعتقد أنها تنظر إلينا، وحين التفتُّ فجأة نحوها، رأيتُها تنظر في المسافة الفاصلة بيننا، وشعرتُ بأذنيها تميلان باتجاهنا كأذني كلب، لتنصت".

   هنا يتجسد الارتياب بوصفه مرضًا يفتك بالعلاقات الإنسانية. ومع موت "بدور"، لا يتحرر السارد، ولكن يتحول هو نفسه إلى "كلب" يبكي عند قبرها.

   أما قصة "تستلقي.. لينام" فترسم شخصية "بيومي" أسير الأرقٍ، يُحاوره صوت غامض يذكّره باستحالة النوم. هذه الثنائية بين الذات وصوتها الداخلي تجسد انقسام الشخصية بين رغبة في الطمأنينة وعجز عن نيلها.

تشققات الوعي

   تكشف قصص المجموعة أن العالم الخارجي ليس سوى انعكاس لتشقق الوعي الداخلي. فالشخصيات لا تواجه خطرًا موضوعيًا بقدر ما تعيش داخل إدراك مرتبك للعالم؛ لذلك تتولد من هذا التشقق سلسلة من الاستجابات النفسية تبدأ بالخوف، وهو الخيط الناظم للقصص. في "الأفيال" يتحول الشك في صداقة منصور إلى رعب كاسح من هجوم الأفيال. وفي "هندسة العالم"، يقود الخوف من "عين صباح" إلى سلسلة من الحكايات المتناقضة بين الحسد والبركة، الخوف هنا قدر يلاحق الشخصيات ويحوّل حياتها إلى كابوس يقظ.



ثم يتحول  الخوف إلى ارتياب، فتلصص، مثلا في قصة، "مثل أذني كلب"، نجد جارة تراقب، زملاء يتهامسون، العجوز صباح تُتهم بمتابعة الناس بعينها. هذه المراقبة تنعكس داخليًا: الشخصيات تراقب نفسها، تفتش في نواياها، تتوجس من دوافعها. 

 لذلك من الطبيعي أن تعاني الشخصيات من الأرق، فمثلا بيومي في قصة  "تستلقي.. لينام" نموذج للإنسان الذي يعجز عن الاستقرار حتى في النوم. الأرق هنا استعارة لحياة متصدعة، لحب غير محسوم، ولذمة مالية مثقلة بالأخطاء. 

  وهكذا يفقد الحب قدرته على أن يكون ملاذًا، مثلا علاقة السارد بـليلى في "الأفيال" يحيطها الغموض، بينما علاقة بيومي بـأمل مترددة بين استغلالها العاطفي والمادي وبين مشاعر مشوشة. الحب هنا يفتقر إلى اليقين، ويكشف عن الهشاشة وليس عن الطمأنينة.

هكذا يمكن القول إن الخوف ينتج الارتياب، والارتياب يقود إلى التلصص، وفي المحصلة يكون الأرق هو الثمن الذي تدفعه الشخصيات، فيصبح الحب صعب المنال،  وبذلك تصبح جميع القصص تعبيرًا عن حركة نفسية واحدة.

 اللغة 

 ولأن العالم  تدركه شخصيات المجموعة  من خلال وعي مضطرب، جاءت اللغة نفسها انعكاسًا لهذا الاضطراب؛ فهي تتأرجح بين الوصف الهادئ والهذيان، تمامًا كما تتأرجح الشخصيات بين الإحساس بالواقع والانزلاق إلى أوهامها، في "الأفيال"، مثلًا، يصف السارد المشهد بموضوعية أقرب إلى التغطية الصحفية: "الأغبياء في العمارة التي أسكنها أداروا مولدات الكهرباء، فكرّت في أنهم أغبياء للدرجة التي تجعلنا أهدافًا شديدة الوضوح للأفيال".  لكن سرعان ما تنقلب اللغة إلى هذيان متوتر: "أمسكت رأسي وقلت لنفسي بصوت مرتفع: أنا مجنووون… مجنووون". 

  هذا التناوب بين الحياد والهوس يمنح النصوص توترها الخاص، فالقارئ لا يعرف إن كان يقرأ شهادة واقعية أم هلوسة داخلية.  كما أن الكاتب يميل أحيانا إلى رصد أدق الحركات والانفعالات، ليوظفها في تكثيف الإحساس بالاختناق.

   بهذا المعنى، تضعنا قصص زهران أمام سؤال جوهري: هل ما نعيشه هو فوضى مصادفات، أم أن هناك "هندسة" خفية تحكم العالم، ندركها جزئيًا بالحدس والخوف والخيال؟ الإجابة تبقى مفتوحة، لكن النصوص نفسها تصبح نوعًا من الخرائط التي قد تساعدنا – ولو قليلًا – على تلمس معالم هذا المعمار المربك. وهكذا لا تكشف قصص زهران عن عالم يزداد غرابة بقدر ما تكشف عن وعي فقد ثقته بالعالم، فأصبح يرى الواقع نفسه بعين العجائبي.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10453
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.