أنا... جائعة " قصة قصيرة "
كعادته كل صباح، كان يصل إلى محطة المترو قبل السادسة، آملًا أن يحجز لنفسه مقعدًا. لم يعد جسده، وقد تجاوز العقد السادس من عمره، يحتمل الوقوف طويلًا وسط زحام العربات الخانق.
وكان يؤلمه، أكثر من إرهاق الوقوف، ذلك الجفاء الذي يلقاه من كثير من الشباب الجالسين على المقاعد المخصصة لكبار السن. فلا أحد ينهض ليمنحه مكانًا، بل إن بعضهم يتظاهر بالنوم، وآخرون يشيحون بأبصارهم حتى لا تلتقي بعينيه، وكأنهم لا يرونه.
وفي ذلك الصباح، لم يتمكن من مجاراة تدافع الركاب عند انفتاح أبواب العربة، فضاعت عليه فرصة الحصول على مقعد. لم يجد أمامه سوى الوقوف بين الجموع، تتقاذفه الأجساد يمينًا ويسارًا، بينما كانت يده اليمنى تتشبث بالطوق المعلق في سقف العربة.
وفجأة، وقعت عيناه على طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها.
كانت ملابسها ممزقة ومتسخة، ورائحة جسدها خانقة، أما شعرها الأشعث فكانت الحشرات تعبث بين خصلاته.
كانت هي الأخرى تتعلق بطوق آخر، لكنها كانت نائمة، يتمايل جسدها الصغير مع حركة المترو، حتى مالت برأسها واستندت إليه، وكأنها تبحث عن مأوى افتقدته منذ زمن.
تردد. أيدفعها بعيدًا حتى لا تلامسه؟ خشي أن تنتقل إليه عدوى، أو تزحف إليه الحشرات المختبئة في شعرها وملابسها.
رفع يده... لكنه توقف.
تأمل وجهها الصغير، فقد رأى فيه حزنًا عميقًا يفوق عمرها.
أخذت الأسئلة تتزاحم في رأسه.
كيف تعيش هذه الطفلة؟ أين أهلها؟ ولماذا تُركت تواجه الدنيا وحدها؟
بل... هل تعرف أصلًا من تكون؟
وربما خطفها أحد المتسولين وهي رضيعة، فنشأت في الشوارع، لا تعرف اسمًا، ولا بيتًا.
وبينما كان غارقًا في أفكاره، رفعت الطفلة رأسها ببطء، وفتحت عينيها المتعبتين، ثم همست بصوت يكاد لا يُسمع:
ـ أنا... جائعة.
تجمد للحظة، ثم وجد نفسه يقول دون تفكير:
ـ حاضر... عندما نتوقف في المحطة القادمة سننزل، وسأحضر لكِ الطعام.
ما إن توقف القطار حتى أمسك بيدها، غير عابئ بما كان يخشاه قبل دقائق من رائحتها أو من العدوى، ونزل معها.
اتجها إلى مطعم قريب، واشترى لها كل ما أشارت إليه بعينيها الصغيرتين قبل يديها. ثم جلسا في مقهى مجاور، يراقبها وهي تلتهم الطعام بنهمٍ ، كأنها تخشى أن يختفي قبل أن تشبع.
كانت لديه عشرات الأسئلة:
ـ من أنتِ؟ أين تنامين؟ ومن تركك لهذا المصير؟
لكنه لم يسأل.
أدرك أن الجوع كان أعلى صوتًا من كل الأسئلة، وأنها كانت منشغلة بمعركة البقاء، لا بالحديث.
ظل صامتًا، يراقبها وهي تستعيد شيئًا من الحياة مع كل لقمة.
وحين فرغت من الطعام، رفعت رأسها إليه، ونظرت في عينيه للحظة... ثم ابتسمت ابتسامةً خاطفةً، واستدارت فجأة تركض.
نهض مسرعًا وهو يناديها ، محاولًا اللحاق بها ، لكن ساقيه لم تسعفاه ، تعذر وسقط على الأرض.
امتدت إليه يدُ تساعده على النهوض.
أمسك بها وهمَ أن يشكر صاحبها لكن الكلمات ماتت على شفتيه كانت طفلة أخرى ... فى العمر نفسه ... وبالثياب نفسها .
نظرت إليه وهمست بصوتٍ خافت :
- أنا ... جائعة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك