خفايا وخبايا إقالة كريم خان: كيف أطاحت 18 شهرًا من الضغوط السياسية بالمدعي العام للجنائية الدولية؟
تتويجًا لمسار تأديبي استمر 18 شهرًا، وبعد حملة ضغوطٍ سياسيّةٍ وإعلاميّةٍ لم تتوقف منذ اللحظة التي طلب فيها مذكرتَي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، صوّتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية على عزل مدعيها العام كريم خان، في سابقةٍ لم تشهدها المحكمة منذ تأسيسها قبل 24 عامًا.
في اقتراعٍ سرّي عُقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 يوليو/تموز 2026، صوّتت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا في المحكمة لصالح إقالة خان، على خلفية اتهاماتٍ بسوء سلوكٍ جنسي ينفيها بشكلٍ قاطع. وأعلنت رئيسة مكتب جمعية الدول الأطراف بايفي كاوكورانتا أن الجمعية خلصت إلى أن خان "ارتكب سلوكًا جسيمًا وإخلالًا خطيرًا بواجباته الوظيفية"، فيما وصف محاموه القرار بأنه "مسيّس" ويفتقر إلى أساسٍ قانوني سليم، معلنين اعتزامهم الطعن عليه.
لكن خلف العنوان الرسمي للإقالة، تكشف خيوط القضية عن مسارٍ أكثر تعقيدًا: مواجهةٌ مفتوحة بين مدعٍ عامّ أصرّ على تطبيق القانون الدولي على حلفاء الغرب، وحملة ضغوطٍ سياسية ودبلوماسية واستخباراتية عملت، وفق شهادات وتحقيقات صحفية غربية، على تحييده منذ اللحظة التي اقترب فيها اسمه من نتنياهو.
من ملاحقة بوتين إلى "الحافة" التي لا يحب الغرب أن يبلغها القانون
انتُخب المحامي البريطاني كريم خان مدعيًا عامًا للمحكمة الجنائية الدولية في فبراير/شباط 2021، بعد مسيرة طويلة في القانون الجنائي الدولي جمع خلالها بين العمل في الادعاء والدفاع، من محكمة يوغوسلافيا السابقة إلى الدفاع عن الرئيس الليبيري الأسبق تشارلز تايلور ونجل الرئيس الليبي الراحل سيف الإسلام القذافي.
حين غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، وجد خان في المحكمة أداةً غربية بامتياز؛ إذ تدفقت المعلومات والتمويل والخبرات من العواصم الأوروبية، وأصدرت المحكمة في مارس 2023 مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فاستقبلتها واشنطن وحلفاؤها بالترحيب رغم أن الولايات المتحدة ذاتها ليست عضوًا في معاهدة روما ولا تعترف بسلطة المحكمة على مواطنيها.

لكن المعادلة انقلبت كليًا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة. ففي 20 مايو/أيار 2024، أعلن خان طلبه من قضاة المحكمة إصدار مذكرتَي توقيفٍ بحق نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف غالانت، إلى جانب طلباتٍ مماثلة بحق قادة من حركة "حماس"، على خلفية اتهاماتٍ بتجويع المدنيين كوسيلة حرب والقتل العمد واستهداف السكان المدنيين.
وجاء الطلب بعد مراجعة قانونية استثنائية شارك فيها فريق خبراء مستقل ضم قضاة سابقين والمحامية أمل كلوني، خلص بالإجماع إلى وجود أسباب معقولة للاتهام.
"استهدف إسرائيل وسنستهدفك".. حملة الضغط الأمريكية والبريطانية
لم يكن القانون وحده من تغيّر في تلك اللحظة، بل هوية الشخص المطلوب تطبيقه عليه. فبحسب ما أورده تحقيق لمجلة "نيويوركر" ونقلته وسائل إعلام عربية، تلقى خان في 23 أبريل/نيسان 2024 اتصالًا من مسؤول بريطاني رفيع وصف مضيّه في طلب المذكرات بأنه سيكون بمثابة "قنبلة هيدروجينية"، قبل أن يهدد وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون شخصيًا بسحب تمويل بريطانيا من المحكمة، بل والانسحاب من معاهدة روما ذاتها.
وفي اليوم التالي، 24 أبريل 2024، وجّه 12 عضوًا جمهوريًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، من بينهم ميتش ماكونيل والسيناتور آنذاك ماركو روبيو (الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية)، رسالة تحذير مباشرة إلى خان جاء فيها: "استهدف إسرائيل وسنستهدفك.. لقد تم تحذيرك"، ولوّحت الرسالة صراحة باستهداف قضاة المحكمة عبر تجميد أصولهم وحظر سفرهم.
توالت بعدها اتصالات من مسؤولين أمريكيين وألمان وأعضاء في الكونغرس حاولوا إقناع خان بأن المذكرات ستضرّ بمفاوضات سلام وتعرّض الأسرى الإسرائيليين للخطر، إلى جانب ضغوطٍ أخرى لدفعه إلى الانتظار تحت ذريعة مبدأ "التكامل" القضائي الذي يمنح الأولوية للقضاء الوطني. وبالتوازي، فشلت محاولات فريق خان الوصول إلى غزة عبر معبر رفح بعد أن عرضت واشنطن مسارًا بديلًا عبر الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل لم تصل الموافقة الرسمية عليه أبدًا.
ولم تقتصر الضغوط على الكلام؛ ففي فبراير/شباط 2025 فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات مشددة على خان بسبب تحقيقات المحكمة المتعلقة بإسرائيل، شملت تجميد أصوله ومنع التعامل المالي معه وتقييد دخوله الولايات المتحدة، قبل أن تمتد لاحقًا إلى نائبيه وعددٍ من القضاة. وكانت سابقة مشابهة قد طالت المدعية العامة الأسبق فاتو بنسودا عام 2020 حين فتحت تحقيقًا في جرائم منسوبة للقوات الأمريكية في أفغانستان.
لقاء فندق لاهاي: عرضٌ للتراجع ثم تهديد
في مساء الأول من مايو/أيار 2025، التقى خان وزوجته المحامية شيامالا ألاجندرا في فندق "ديس إنديس" بلاهاي بصديقٍ قديم هو المحامي البريطاني الإسرائيلي نيكولاس كوفمان، الذي كان قد تحدث قبل اللقاء مع أحد مستشاري نتنياهو القانونيين. وبحسب ملاحظاتٍ قدّمها خان لاحقًا لمحققي الأمم المتحدة، اقترح كوفمان إعادة تصنيف ملف نتنياهو وغالانت كـ"سرّي" لإتاحة الطعن فيه، ثم طلب من خان سحب المذكرتين، محذرًا من أن الجهات التي يمثلها "ستدمره وستدمر المحكمة" في حال رفض. كوفمان نفى لاحقًا أنه هدد خان أو تحدث باسم أي جهة رسمية، وقال إن حديثه عن "التدمير" كان وصفًا لتأثير العقوبات الأمريكية المحتملة، لا تهديدًا شخصيًا.
رفض خان العرض. وفي غضون أيام، بدأت الاتهامات الجنسية بالخروج إلى العلن.
توقيت الاتهامات: من إفادة داخلية إلى حملة منظمة
تعود جذور الاتهامات إلى أواخر أبريل 2024، حين أخبرت مساعدة خاصة في مكتب خان زميلين لها بتعرّضها لمحاولاتٍ جسدية وجنسية غير مرغوبة من قِبل المدعي العام. أُبلغ جهاز الرقابة الداخلية في المحكمة بالأمر، لكن التحقيق الأولي أُغلق بعد رفض الموظفة المشاركة فيه، فيما واصلت عملها مع خان لأشهر تالية.
الوثيقة التي أشعلت الفضيحة علنًا لم تكتبها الموظفة نفسها، بل كانت إفادة من أربع صفحات دوّنها أحد الزميلين اللذين أبلغته بالواقعة، وهو مستشار أمريكي كبير في مكتب خان كان على خلافٍ معه بشأن التعامل مع ملف فلسطين، وكان يشغل موقع قناة الاتصال الرئيسية بين المحكمة وكلٍّ من واشنطن وتل أبيب. تسربت هذه الإفادة من الأنظمة الداخلية للمحكمة إلى الصحافة في خريف 2024، بينما كان القضاة يدرسون طلبات مذكرتَي التوقيف، ونشرها حسابٌ مجهول على منصة "إكس" تحت اسم "ICC_Leaks" لم يكن له أي نشاط سابق. ورافق التسريب بريد إلكتروني مجهول المصدر حمّل الاسم الكامل للموظفة ورقم هاتفها، وروّج لرواية مفادها أن خان استخدم مذكرات نتنياهو غطاءً لإخفاء "فوضاه الشخصية". المستشار المعني نفى مسؤوليته عن التسريب، ولم يظهر حتى الآن دليل منشور يربطه تقنيًا بالحساب أو بالبريد المجهول.
بعد أيام من ظهور الاتهامات علنًا، أعلن خان في 16 مايو 2025 توقفه عن العمل حتى انتهاء التحقيق، قبل أن يقرر مكتب جمعية الدول الأطراف في 8 يونيو/حزيران 2026 إحالة الإجراءات التأديبية إلى الجمعية العامة وتعليق مهامه رسميًا، تمهيدًا للتصويت الذي أطاح به نهائيًا في يوليو 2026.
سوابق إسرائيلية: من مراقبة بنسودا إلى ملف خان
لم تكن هذه المواجهة الأولى بين المحكمة وإسرائيل ، فقد كشف تحقيقٌ صحفي مشترك سابق أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أدارت، منذ انضمام فلسطين إلى المحكمة عام 2015، حملة استمرت نحو تسع سنوات لمراقبة المؤسسة واختراقها والضغط على مسؤوليها، شملت اعتراض اتصالات وجمع وثائق داخلية ومحاولات ترهيب استهدفت المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا وفريقها، وصلت إلى حدّ ضغط رئيس جهاز الموساد الأسبق يوسي كوهين على بنسودا مباشرة وتوجيهه تحذيرات تتعلق بأمنها وأمن أسرتها، بحسب ما ورد في التحقيق. هذه السابقة هي التي استند إليها كثيرون في قراءة ملف خان: نمط متكرر يبدأ بمراقبة المدعي والبحث عن نقطة ضعف شخصية، وينتهي بنقل المعركة من الجرائم قيد التحقيق إلى مصداقية الشخص الذي يقودها.
أما الزعم تحديدًا بأن عناصر من الموساد "زارت" خان في منزله لترهيبه، فهو رواية متداولة في سياق الحملة الإعلامية المضادة له، ولم تظهر حتى الآن في تحقيقات موثقة بمصادرها بالتفصيل الذي وثّقته وقائع لقاء فندق لاهاي أو رسائل الضغط الأمريكية والبريطانية الموثقة أعلاه. وتقتضي الدقة الصحفية التعامل مع هذا التفصيل تحديدًا كادعاء يحتاج تأكيدًا إضافيًا من مصادر مستقلة، لا كواقعة مؤكدة.
مصير مذكرتَي نتنياهو وغالانت بعد العزل
يبقى السؤال الأهم بعد إقالة خان: ماذا حدث لمذكرتَي التوقيف؟ والجواب القانوني واضح: لن تسقطا تلقائيًا. فخان لم يُصدر المذكرتين بنفسه، بل طلبهما فقط، فيما أصدرهما في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ثلاثة قضاة مستقلين في المحكمة بعد ستة أشهر من دراسة الأدلة ورفض الطعون الإسرائيلية على اختصاص المحكمة. وإلغاء المذكرتين أو تعليقهما يبقى بيد قضاة المحكمة حصرًا، لا بيد مكتب الادعاء.
ومع ذلك، رحّبت إسرائيل رسميًا بقرار العزل؛ إذ وصفه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأنه "تأخر طويلاً"، مطالبًا المحكمة بإلغاء المذكرتين "فورًا" وكرر مزاعم إسرائيلية سبق تفنيدها بأن المذكرات صدرت للتغطية على فضيحة خان الشخصية، وهو تسلسلٌ زمني يخالف الوقائع الموثقة التي تُظهر أن الاتهامات ظهرت بعد إعلان طلب المذكرات لا قبله.
ما بعد العزل: مؤسسة تحت الضغط
يرى مراقبون ومنظمات حقوقية فلسطينية أن ما جرى يعكس حجم الضغوط السياسية التي باتت تطوق العدالة الجنائية الدولية، بينما يرى آخرون أن المحكمة أثبتت قدرتها على محاسبة كبار مسؤوليها دون استثناء. وبصرف النظر عن القراءتين، فإن جمعية الدول الأطراف بدأت بالفعل إجراءات انتخاب مدعٍ عام جديد للمحكمة، في وقتٍ لا تزال فيه ملفات فلسطين، وأوكرانيا، والفلبين، وغيرها، معلقة على طاولة مؤسسة تخوض واحدة من أعنف اختبارات استقلاليتها منذ تأسيسها عام 2002.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك