الهجمات العراقية المتجددة تختبر جهود الزيدي لنزع سلاح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران
فشل مداهمة "النجباء" في جرف النداف يكشف حدود سلطة الدولة العراقية قبل 6 أسابيع من الموعد المحدد لنزع السلاح
كشفت مصادر أمنية عراقية لموقع "المونيتور" الأميركي تفاصيل مداهمة فاشلة نفذتها قوات حكومية عراقية في 24 تموز/يوليو الماضي، استهدفت مقر "فوج المهمات الخاصة" التابع لحركة النجباء في منطقة جرف النداف ببغداد، بحثًا عن مسيّرات وصواريخ، قبل أن تنهار العملية في دقائق معدودة أمام تحدٍّ مسلح من عناصر الفصيل.
وبحسب مسؤولين أمنيين عراقيين اثنين تحدثا لمراسل "المونيتور" مصطفى سالم، فإن قادة الفصيل المدعوم من إيران منعوا الضباط من دخول المنشأة، قبل أن يطوّق مقاتلون مسلحون تابعون للنجباء القوة الحكومية، ويطلقوا عيارات تحذيرية في الهواء فوق المركبات الرسمية، في مشهد اضطرت معه قيادة عمليات بغداد والشرطة الاتحادية ومديرية أمن هيئة الحشد الشعبي إلى الانسحاب الفوري. وأصدرت قيادة الحشد الشعبي أمرًا لمنتسبيها بمغادرة الموقع، مبررة ذلك بعدم إبلاغها مسبقًا بأن المهمة تستهدف منشأة تابعة للنجباء تحديدًا، فيما تلقت الوحدات العسكرية الأخرى الأمر نفسه بعد وقت قصير.
اختبار مبكر لتعهد الزيدي
تكتسب هذه الواقعة، رغم محدودية حجمها، أهمية بالغة من حيث التوقيت؛ إذ تمثل أول اختبار فعلي لتعهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي أطلقه علنًا من البيت الأبيض، بإخضاع جميع الأسلحة الموجودة في العراق لسيطرة الدولة بحلول 30 أيلول/سبتمبر المقبل، وهو الموعد المقرر لانتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة أميركا في البلاد.

ولم يعقب فشل المداهمة أي اعتقالات أو بيان رسمي من الحكومة، وهو ما اعتبره الباحث حيدر الشاكري، من "برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في مركز "تشاتام هاوس" اللندني، مؤشرًا بحد ذاته. وقال الشاكري في تصريحات لـ"المونيتور" إن عجز الحكومة عن تنفيذ قراراتها ضد فصيل واحد دون متابعة قانونية أو سياسية يعني أن الفصائل المسلحة لا تزال تملك حق نقض فعليًا على بعض قرارات الدولة.
وأوضح الشاكري أن الأسلوب تغيّر عما كان سائدًا في مواجهات سابقة، إذ جرت هذه المرة بهدوء ودون إصابات أو تصريحات علنية من الفصيل، ولم تُكشف تفاصيلها إلا لاحقًا عبر مصادر أمنية، في مؤشر على أن الطرفين يتجنبان الظهور بمظهر من يفرض الأمر الواقع على الآخر قبل نهاية أيلول.
تفاوت مواقف الفصائل
منذ توليه منصبه في أيار/مايو الماضي، أعاد الزيدي تفعيل مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وأجرى تعديلات في القيادة العسكرية، وعيّن محمد الموسوي على رأس جهاز مكافحة الإرهاب، في خطوة تشير إلى أن هذه القوة المدرَّبة أميركيًا ستتولى مهام إضافية.
غير أن الفصائل لا تبدي الدرجة نفسها من المقاومة لهذا التوجه؛ فبينما اندمجت جماعات مثل عصائب أهل الحق في العمل السياسي والاقتصادي، بما يقلّص رغبتها في المواجهة، ترفض فصائل أخرى كـ"كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" أي تحرك لإخضاع ترسانتها لسيطرة الدولة. ونقل الموقع عن الباحث السياسي العراقي مهند الغزي قوله إن هذه الفصائل تربط سلاحها بإطار عقائدي يجعل تسليمه شبه مستحيل من وجهة نظرها، محذرًا من الخلط بين عمليات ضبط تحقق زخمًا إعلاميًا وبين نزع السلاح الحقيقي، إذ إن كثيرًا من المعسكرات وورش تصنيع المسيّرات تقع داخل مناطق لا تزال الفصائل تسيطر عليها فعليًا.
ضغوط متزامنة من واشنطن وطهران والرياض
جاءت المداهمة الفاشلة في ظل احتكاك متصاعد بين الزيدي والفصائل المدعومة من إيران عقب زيارته لواشنطن الشهر الماضي، حيث حذّرت فصائل تندرج تحت مظلة "المقاومة الإسلامية في العراق" من استبدال "الاحتلال العسكري" بـ"احتلال اقتصادي" عبر توسيع الاستثمارات الأميركية، بعدما التقى الزيدي الرئيس دونالد ترامب وروّج للعراق كوجهة لرأس المال الأميركي، خصوصًا في قطاع الطاقة.
وفي مساء 15 تموز، بينما كان الزيدي لا يزال في واشنطن، استهدفت مسيّرات إيرانية منشأة "دانة غاز" في إقليم كردستان، ما اضطرها لتعليق عملياتها؛ وأدان الزيدي الهجوم دون أن يسمّي إيران صراحة.
كما أثار ترامب، خلال اللقاء، حادثة اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في كانون الثاني/يناير 2020، فتجنّب الزيدي الخوض في الملف بالقول إنه لم يكن في العمل السياسي حينها وجاء "للحديث عن المستقبل"، وهو ما اعتبرته فصائل مدعومة من إيران تنصلًا من رموز اعتبرتها للمقاومة؛ إذ رفض زعيم النجباء أكرم الكعبي نتائج الزيارة، بينما شكك المستشار الأول للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، علي أكبر ولايتي، علنًا في تقدير الزيدي.
وفي موازاة ذلك، أعلنت وزارة الدفاع السعودية إسقاط طائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية باتجاه منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض، محمّلة فصائل مدعومة من إيران المسؤولية. وبحلول منتصف الأسبوع، شنت ضربات جوية أميركية-سعودية مشتركة استهدفت مواقع للفصائل في شرق العراق، أسفرت عن مقتل 20 شخصًا على الأقل، ما دفع الزيدي إلى تأجيل زيارة كانت مقررة إلى الرياض.
سقف زمني غير واقعي
يرى مراقبون أن موعد 30 أيلول لم يكن واقعيًا أصلًا لتحقيق نزع سلاح كامل، وأن أحداث الأسبوعين الماضيين رسّخت هذا التقييم؛ فحكومة عاجزة عن تفتيش مقر واحد تابع لحركة النجباء دون أن تُصَدّ عند نقطة التفتيش بقوة السلاح، ليست على بعد ستة أسابيع من تفكيك فصائل تمتلك مسيّرات وصواريخ.
ويقول الشاكري إن المتوقع واقعيًا هو نقل جزء من الأسلحة أو إغلاق منشأة أو اثنتين، بما يكفي لادعاء تحقيق زخم دون خوض معركة لا تملك الدولة أدوات كسبها، مرجّحًا أن يقصر ذلك عن نزع السلاح الكامل ما دامت الفصائل الأقوى تحتفظ بنفوذها السياسي وحمايتها المؤسسية وقدراتها العسكرية المستقلة.
إن النزع الحقيقي يعني تفكيك تنظيمات كاملة والاستيلاء على مواقع تصنيع السلاح، وهو مستوى من القوة قد يجرّ إلى صراع داخلي ويستدرج تدخلًا إيرانيًا لحماية حلفائها. لذا تبدو استراتيجية بغداد الفعلية أقرب إلى نهج تدريجي: استيعاب الفصائل المتعاونة تدريجيًا، مقابل الضغط السياسي والمالي على الفصائل الرافضة، مع مراقبة مدى قدرتها على تحجيم وجود هذه الفصائل في مناطق مثل الطارمية شمال بغداد، وجرف الصخر معقل كتائب حزب الله جنوبها.
ويبقى مصير الملف مرهونًا بعامل خارج عن سيطرة بغداد إلى حد بعيد، هو مسار العلاقة بين واشنطن وطهران، ما يجعل المعيار الأكثر واقعية لقياس النجاح ليس نزع السلاح الكامل، بل مدى قدرة الدولة على تقييد قدرة الفصائل تدريجيًا على شن هجمات، ونقل الأسلحة، وتهديد دول الجوار، أو العمل خارج التسلسل القيادي الرسمي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك