من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

صراع الفرس والروم مهّد الطريق لتغيير خريطة العالم خلال أقل من 50 عاما

خالد بيومي
صراع الفرس والروم مهّد الطريق لتغيير خريطة العالم خلال أقل من 50 عاما



مقدمة:


عالم على حافة الانهيار قبيل ظهور  الإسلام


لم يكن العالم القديم عشية بعثة النبي محمد ﷺ عالمًا مستقرًا، بل كان مسرحًا لصراع مرير بين قوتين متآكلتين من الداخل بقدر ما كانتا متحاربتين في الخارج:

الإمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية، والإمبراطورية الساسانية الزرادشتية.

هذا الصراع، الذي امتد لقرون، لم يكن مجرد تنافس على الأرض والنفوذ، بل كان معركة هوية دينية وسياسية شكّلت الملامح النهائية للشرق الأوسط قبيل الفتوحات الإسلامية.

الحرب الأخيرة الكبرى: 602-628م

من أبرز ما يستحق الحديث عنه في هذا السياق هو الحرب البيزنطية الساسانية الأخيرة (602-628م)، التي تُعد من أعنف الحروب في التاريخ القديم وأكثرها استنزافًا للإمبراطوريتين.

لقد اندلعت الحرب عقب مقتل الإمبراطور البيزنطي موريكيوس على يد فوقاس، فاتخذ كسرى الثاني (خسرو پرويز) الحادثة ذريعة لغزو الأراضي البيزنطية بدعوى الانتقام لحليفه المقتول. 

حقق الفرس في السنوات الأولى انتصارات كاسحة:

سقطت أنطاكية ودمشق عام 613م، ثم سقطت القدس عام 614م في مذبحة راح ضحيتها آلاف المسيحيين، وأُخذ الصليب المقدس (الذي يُعتقد أنه الصليب الذي صُلب عليه المسيح وفق العقيدة المسيحية) كغنيمة حرب إلى المدائن، في ضربة رمزية هزّت العالم المسيحي بأسره.

واصل الفرس تقدمهم حتى وصلوا الإسكندرية عام 619م، فسيطروا على مصر بالكامل، بينما وصلت طلائعهم إلى أسوار القسطنطينية ذاتها  من خلال التحالف مع الآفار.

هرقل والانقلاب العسكري الكبير

التحول الحاسم حدث مع مجيء الإمبراطور هرقل، الذي أطلق منذ عام 622م سلسلة حملات مضادة و استثنائية، متجاوزًا الدفاع التقليدي إلى ضرب قلب الأراضي الساسانية مباشرة.

وتوّجت حملاته بمعركة نينوى الحاسمة عام 627م، حيث مُني الجيش الساساني بهزيمة ساحقة قرب أطلال نينوى القديمة (شمال العراق حاليًا)، مما مهّد الطريق لانهيار سلطة كسرى الثاني، الذي خُلع وقُتل على يد ابنه شيرويه (قباذ الثاني) عام 628م.

استعاد البيزنطيون الصليب المقدس وأعادوه إلى القدس عام 630م في احتفال مهيب، لكن الانتصار جاء متأخرًا ومكلفًا؛ فقد خرجت الإمبراطوريتان من هذه الحرب مُنهكتين اقتصاديًا وعسكريًا وبشريًا إلى حد غير مسبوق - وهو ما يفسر، وفق كثير من المؤرخين، السرعة اللافتة التي تمكنت بها جيوش الفتح الإسلامي من اكتساح الشام والعراق ومصر خلال العقد التالي مباشرة.


البعد الديني: من الخلاف اللاهوتي إلى الانقسام الجيوسياسي

مجمع خلقيدونية عام 451م لم يكن حدثًا معزولاً، بل جاء بعد مجمع أفسس الثاني عام 449م (الذي وصفه خصومه لاحقًا بـ"مجمع اللصوص")، واستمرت تداعياته اللاهوتية والسياسية لقرون.

الكنائس التي رفضت قرارات خلقيدونية شكّلت ما يُعرف اليوم بالكنائس الأرثوذكسية المشرقية (أو "غير الخلقيدونية")، وقد عانى أتباعها من اضطهاد بيزنطي متقطع أضعف الولاء الشعبي في مصر والشام تجاه القسطنطينية - عامل ساهم لاحقًا في الاستسلام النسبي السريع لهذه الأقاليم أمام الفتح الإسلامي، وفق تحليلات عدد من المؤرخين مثل مايكل موريس وفريد دوناندر، وإن ظل هذا التفسير محل نقاش أكاديمي وليس إجماعًا تامًا.


أما على الجانب الساساني، فقد ارتبط الدين بالدولة عبر المؤسسة الزرادشتية الرسمية (طبقة الموبذان)، التي شكّلت أداة هيمنة اجتماعية وسياسية.

أما حركتا ماني ومزدك الإصلاحيتان لم تكونا مجرد بدع دينية، بل حملتا في جوهرهما نقدًا اجتماعيًا للبنية الطبقية الساسانية الصارمة، وهو ما يفسر شراسة القمع الذي واجهتاه من المؤسستين الدينية والملكية معًا.

الخاتمة:

إرث الاستنزاف

حين ظهرت الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية، لم تكن تواجه إمبراطوريتين في أوج قوتهما، بل قوتين أنهكتهما عقود من الحروب المتبادلة والانقسامات الداخلية الدينية والاجتماعية.

هذا السياق التاريخي - الذي يغفله كثيرون عند الحديث عن سرعة الفتوحات الإسلامية - يظل مفتاحًا أساسيًا لفهم كيف تغيرت خريطة العالم القديم خلال أقل من نصف قرن.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10468
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.