من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مرئيات النص الأدبي عند "محمد صلاح"

كتبت: د. سميرة أبو طالب
مرئيات النص الأدبي عند



  يتعامل الكاتب الروائي "محمد صلاح" مع مخاوف النفس البشرية عبر مستويات عدة، تتولى كل شخصية في روايته "وكان أبوهما ساحرا" الكشف عن أغوار تلك المخاوف، عن طريق تفتيت هذا الظاهر الذي تبدو عليه، والحفر غائرا في أدق خلاجاتها. ولا ينفصل التنقيب في العمق الإنساني لديه عن التنقيب في عمق الأماكن، واستنطاق ما تحمله من تاريخ بشري يجعلها شواهد حية على ما مر بها من أحداث، وما اختبأ خلف جدرانها من أسرار، ولكي يحقق هذا الهدف، فإنه يأخذ المتلقي عبر رحلة من التساؤلات التي تبدأ من مقدمة الرواية وتمهيد فصولها عن الثنائية الأبرز في الحياة الإنسانية، وهي ثنائية "الخير والشر"، وكيف تتداخل تلك الثنائية مع ثنائيات أخرى، تقف خلف المخاوف الإنسانية التي تستقر في الوعي الجمعي. 

      إن "محمد صلاح" في رحلة بحثه عن تلك الثنائية، يستمد وعيه بها من حقيقة أنه لا انفصال بينهما، وأن الخير قد يكمن في قلب الشر، وأن النفس البشرية وعاء لكليهما معا؛ لذا فقد كان تجسيد هذا المعنى مستقرا منذ البداية في اختيار العنوان "وكان أبوهما ساحرا"، الذي يكشف في حضوره الدلالي عن قابلية حضور الشئ ونقيضه في ذات واحدة، كما يستدعي إلى ساحة الحضور ذلك الغائب الذي يحمله الضمير في "أبوهما"، وهو بهذا الاختيار يحدد استراتيجية البناء الفني داخل روايته، ويجعل عنوانه دليلا عليها : ظاهرٌ حاضرٌ يوحي بالمعنى، وغائبٌ مستترٌ يخضع لعملية تنقيب مستمر للوصول بالقارئ، ليس إلى إجابة عن تلك التساؤلات فحسب، وإنما لفهم واعٍ لمخاوف ثقافية واجتماعية، جاءت شخصيات الرواية لتعبر عنها بشكل متفاوت، بدءا من "الشيخ خضير" الذي يعيش على هامش الحياة، ومرورا ب"سامح"، طالب كلية الطب، الذي تأتي حركته داخل الجامعة، وفي مسقط رأس والديه، مساحة كشف كبيرة عما تحتفظ به تلك الأماكن من أسرار، وصولا إلى "حسن"، التقي الذي يقوم على خدمة رواد مسجد " سيدي شبل الأسود"، الساحر الذي تنتهي حياته على يد المرأة التي غرر به، ووضع بذرته الحرام بداخلها، وكأن كل شخصية مفتاح لمعرفة المكان، كما أن المكان مفتاح لمعرفة الشخصية عن قرب، وساحة لمعرفة الثقافة السائدة التي تتحكم في حركة الشخصيات وتوجه أفعالها.  



       وهذه الحركة الدائبة بين الهامش الذي يمثله "الشيخ خضير"على صعيد الشخصية، والمقابر على صعيد المكان، وبين المتن الذي يمثله " سامح" ، و"حسن" في ارتباطهما برمزية مكانية تتفاوت بين حضور للعلم والإيمان والخرافة، مكّنت الكاتب من رسم عوالم شديدة الخصوصية لكل منهما، تشرح وتفسر المصائر الإنسانية، وكيف يفضي الإنسان إلى قدر محتوم تسوقه إليه هذه المخاوف التي تسيطر على تفكيره. ومهارة الكاتب "محمد صلاح" في اختيار نمطه الروائي الذي يعتمد "الرعب" كوسيلة فنية في الوصول إلى ما يستقر في أعماق المجتمع وإنسانه من مخاوف،لا تتوقف عند هذا المزيج الذي صنعه بحرفية عالية بين هامش المجتمع ومتنه، والانتقال عبر الأماكن التي تجسد تلك الثنائية فقط، بل في تلك اللغة التي نزعت عن هذه الأماكن جمودها وسكونها، لتجعلها تشارك الشخصيات حركتها ومخاوفها، ونزوعها إلى الشعور بالأمان؛ فـ" المقابر" الذي جعلها مفتتحا لأولى فصول روايته، لم تكن بهذا السكون الذي تبدو عليه، والظلام الذي يلفها لم يكن كغيره من الظلام الذي تعيشه شخصية " الشيخ خضير"، الذي فقد نور بصره، ومع ذلك لم تكن الظلمة في عينيه مسار خوف ممن حوله، بينما ظلمة المقابر وسكونها كانت تحمل الكثير من التساؤلات، وتشيع في النفس رهبة شديدة عبّر الكاتب عن وطئتها في نفس الشخصية حين وظّف "الصمت" كتقنية فنية تحيل إلى تلك الدلالات في المشهد الروائي، و"المشرحة" التي يُقبل عليها "سامح"، طالب الطب، لينهل من أسرار الجسد البشري، لم تكن هي ذاتها التي دخلها كي يتعرف على جثمان والده، كما أن مسجد "سيدي شبل الأسود" لم يكن ساحة للعبادة وإقبال المريدين فقط، بل إن "حسن" الذي ظهر بادئ الأمر مُرحبا بضيوف المسجد، قائما على خدمة المريدين، هو ذاته الذي تعاون مع "عثمان" الساحر، الذي أتى من قرية" ناوا" السودانية قاصدا المسجد، وما يستقر تحته من كنوز، لتنتهي حياة كل منهما تحت سطوة أوهام القوة التي يمنحها لهم السحر.


 وبمثل ما كانت الشخصيات في رواية "وكان أبوهما ساحرا" طبقات متباينة للوعي البشري، كانت الأماكن هي الأخرى بمثابة طبقات لاستكشاف الثقافة التي شكلت الحياة وصنعت منها مزيجا متدرجا من ثنائيات تبرز بوضوح الملامح الواضحة للأشخاص والأشياء والأماكن؛ فنجد ثنائية العلم والخرافة، والعلم والإيمان من بين الثنائيات التي يوظفها الكاتب، ليظهر هذا التفاوت في أنماط السلوك البشري على ساحة هذه الأماكن؛ إذ المكان في هذه الرواية لا يظل ساكنا، ولا يظهر بوصفه كتلا حجرية صامتة، بل يتحول بوعي من الشخصية الروائية إلى تاريخ حي ينطق بكل ما مر به؛ فنرى شخصية "سامح" في نظرتها الأولى إلى كلية طب "قصر العيني" تجد فيه أن "كل حجر منها يشبه صفحة من مخطوطات قديمة. هنا، حيث كان الأمير أحمد العيني يقيم حفلاته الفاخرة في القرن الخامس عشر، يقف النيل شاهدا على تحولات القصر من متنزه للسلاطين إلى سجن حربي في العصر العثماني، ثم إلى مستشفى عسكري تحت أقدام نابليون. لكن الروح الحقيقية للمكان بدأت مع لحظة تبرع العيني باشا بقصره ليكون أول صرح علمي يشرق بنور الطب الحديث في الشرق". وبهذا الوعي الروائي من قبل الشخصيات بتاريخ الأماكن، يعقد الدكتور "محمد صلاح" صلة وثيقة بين حاضر المكان وماضيه كوسيلة فنية أخرى للكشف عن طبيعة الأفكار والمخاوف، وأيضا الخرافات التي بدأ تنمو على ساحته. 

 ولأن الأساس الذي انطلق منه الكاتب في تشييد بنائه الروائي هو رصد رحلة الصراع بين "الخير والشر" في داخل الإنسان أولا، باعتباره الرحلة الأصعب، فإن تعدد الوسائل الفنية التي لجأ إليها في الكشف عن الداخل الإنساني لشخصياته، ومدى تغلغل هذه الثنائية فيه، يعد عنصر ثراء في النص، وخطوة متقدمة في توظيف وسائل الكشف والإبانة عما يستقر في أعماق الشخصية، وينسج حركتها بين الداخل والخارج المحيط، وثراؤها يكمن في اختيار تقنيات "سمعبصرية" لمرافقة حركة الشخصيات، ورصد تفاصيل الأماكن، والذي تبدو فيه ثنائية "الصوت والصمت" قوة تعبيرية، استطاع الكاتب أن ينثرها بمهارة في تفاصيل أحداثه وتجسيد الانفعالات التي تسيطر على الشخصيات وتوحي بطبيعة الأماكن.



 إن رواية " وكان أبوهما ساحرا" بقدر ما تدخل إلى عوالم جديدة، وتمتلك قدرة على مد الجسور بين الأماكن والشخصيات، هي تقدم نوعا من الكتابة التي تجعل المتلقي لا يقرأ الأحداث فقط، بل يشاهدها في كل فصل من فصولها، ويسمع الركز الخفي لأعماق شخصياتها، وبقدر ما تثيره من تساؤلات، بقدر ما تمنح وعيا حقيقيا تتشكل طبقاته من مزج الحاضر بالماضي، والتاريخي بالشعبي، وكلها تسعى لفهم أوضح للإنسان، وتعيد قراءة الواقع وفق معطيات لا تركن للثابت من الأمور، بل تبحث عن التحولات التي طالت تلك الثوابت.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10479
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.