رؤية ذائقية لقصة "لوحة" للأديب خالد العجماوي
افتتح الكاتب النص بثلاث عتبات متتالية: "لوحة "، ثم " رسالة من أب مكلوم " ثم الاستهلال" حبيبتي/شمسي التي غابت " ، وهذه العتبات الثلاثة ترسم أفقًا لتلقي النص، وإن كانت تثير في الوقت ذاته سؤالًا حول طبيعة جنسه الأدبي ، فإن كانت كلمة " لوحة" تمثل العنوان الرئيس، فإنها تقدم النص بوصفه مشهدًا إنسانيًا مرسومًا بالكلمات، وهو اختيار يتناغم مع وجود الرسم بوصفه المحور البنائي الأهم في النص، أما عبارة " رسالة من أب مكلوم " ، فتؤسس وظيفة العنوان الفرعي، أو توظيف الكيفية التي ستروى بها اللوحة ، بينما تأتي عبارة " حبيبتي/شمسي التي غابت " افتتاحًا طبيعيًا للرسالة نفسها، ومن ثم فإن الجمع بين اللوحة والرسالة لا يبدو متناقضًا بقدر ما يكشف ان الكاتب أراد تقديم لوحة إنسانية كُتبت في هيئة رسالة ، لا رسالة أدبية بالمعنى التقليدي.
ومن هنا يمكن القول أن النص لا ينتمي لأدب الرسائل في صورته الخالصة، لأن الرسالة هنا ليست وسيلة تخاطب مع مُخاطب ينتظر منه الرد ، وإنما وعاء لحوار داخلي، فالأب يدرك أن زوجته الراحلة لن تجيب، ومع ذلك يكتب إليها، لا لإنتظار جواب ، وإنما ليُخفف وطأة الغياب ، ويعيد ترتيب عالمه المُبعثر ، ولهذا تبدو الرسالة قناعًا سرديًا اُخفي وراءه حوارًا نفسيًا أكثر من مراسلة بالمعنى المعروف.
ويؤسس الكاتب عالمه على ان فكرة الرسم ليست نشاطًا طفوليًا ، وإنما هى لغة اكثر قدرة على التعبير، فلا يحتكم الطفلان إلى الحوار ، وإنما إلى الرسوم، وكأن كل لوحة تمثل عالمًا نفسيًا مستقلًا، لذلك فإن شجارهما لا يدور حول الأم، وإنما إلى الصورة التي يحملها كل منهما عنها، فالابن المولع بعالم الأبطال ، يرسم امه ملاكًا يصد كرة النار، وهى كرات لا تستقر على معنى واحد ، فتارة تصبح المدرسة ، وتارة تصبح مُعلمة الحساب ، وأخرى الحافلة الصاخبة، بما يوحي بأن الطفل لا يستطيع تسمية مخاوفه، فيجمعهم جميعًا في صورة خطر يحتاج إلى حماية الأم ، أما الابنة، فترسم امها في بستان زاخر بالأشجار والثمار ، حيث تتحول إلى رمز للدفء والسكينة، فالطفلان كانا يرسم كل منهما احتياجاته ، فاصبحت الرسوم مرآة لمشاعرهما.

ومن خلال هذا البناء الرمزي يطرح النص سؤالًا بالغ العُمق : هل يمكن تعويض الأم؟، فاللافت أن الابن رغم افتتانه بالأبطال، لا يرسم الأب وهو يواجه كرة النار، مع أن صورة الأب في وعى الطفل تقترن دائمًا بالقوة والشجاعة، وإنما يمنح هذا الدور للأم وحدها ، ليس في ذلك انتقاص من الأب ،وإنما تأكيد أن الطفل لا يبحث عن بطل ، بل عن ملاذ، ومن هنا تتكشف مأساة الأب على نحو غير مباشر، فهو لا يغيب عن حياة طفليه ، بل يجتهد في رعايتهما، ويحاول إصلاح خلافهما، ويبتكر الحلول، لكنه يظل غائبًا عن عالميهما الرمزي، فالأطفال لا يرسمونه منقذَا ، ولا مركزًا للأمان، لأنهما لا يبحثان عن بديلًا للأم ، وإنما عن الأم ذاتها، فالأب هنا يحاول سد فراغ لا يُسد.
الأب يجتهد ويرسم الأم شمسًا محاولًا انهاء الصراع بين الطفلين، ثم نكتشف أن هذا الرمز لم يأت بمحض الصدفة، وإنما كان حاضرًا منذ السطر الأول في قوله " شمسي التي غابت" ، الشمس لم تكن حلًا تربويًا فحسب ، وإنما نقل لطفليه الرمز الذي يعيش به ، الرمز هنا جاء منسجمًا مع وجدان الشخصية.
ولم تتوقف رمزية النص عند حدود الشمس، وإنما تتسع لتؤسس عالمًا متكاملًا من العلامات والدلالات، فالبستان يقترب من صورة الفردوس، هو عالم خفي لا تعلمه إلا الأم ، ولا تسمح بدخوله إلا لابنتها ، ويزدحم بالأشجار والثمار، ثم يجري فيه جدول رقراق ، وهى عناصر تستدعي في مجملها صورة الجنة، فالأم هنا في عالم آخر .
ويؤكد هذا التأويل صورة الأم المرسومة في هيئة ملاك برداء أبيض وأجنحة، وهنا يصبح الأبيض رمزًا للطُهر ، والأسود هو آثار المعاناة ، والمثير هنا أن الابنة لا تخشى على أمها من النار، وإنما من اتساخ ثوبها الأبيض ، وكأن في رأيها أن الشر لا يستطيع القضاء على الخير، وإنما يحاول أن يشوه صفاءه.
وتزداد الشبكة الرمزية عمقًا حين يختار الكاتب اللون البرتقالي ، ليمثل عنصرين متناقضين، فالأول هو لون الشمس التي تمنح الحياة والدفء، والآخر هو لون كرات النار التي تُهدد الطفل، وتزرع الخوف في نفسه. والمفارقة هنا أن الشمس نفسها هى كرة من نار ، لكنها تتحول في وعى الطفلين إلى رمز الأم الحامية، بينما كرة النار الأخرى رمزًا للخطر ، فالمفارقة لا تكمن في اللون ، وإنما في الوظيفة التي تؤدى.
أما أكثر الرموز شاعرية ، فهو تحول الأب في النهاية إلى جدول رقراق يجري في بستان الابنة ، فهذا الرسم يحمل دلالة روحية عمقية ، فإذا كان البستان يُحيل إلى صورة الفردوس ، فإن جعل الأب جزءًا من هذا العالم ، يشي بأن الابنة ترى ان أباها يستحق ان يكون فيه ، ليس برحيله ، وإنما لأنه حمل بعد غياب الأم عبئًا يفوق طاقة الإنسان ، فصار جديرًا بمجاورة من أحب، ويزداد هذا التأويل قوة إذا نظرنا إلى العلاقة بين الشمس والجدول ، فالأم تمنح الدفء ، والأب يمنح الحياة ، فلا تقوم جنة البستان بالشمس وحدها ، وكأن الطفلة بعفويتها تُعيد بناء أسرتها داخل عالمها الرمزي.
ومع ما تحمله المنظومة الرمزية من ثراء ، فإنها تُثير ملاحظة فنية جديرة بالتأمل ، فقد فضل الكاتب ان يشرح الأب سبب اختياره للشمس ، وهو تفسير ينسجم مع طبيعة النص بوصفه رسالة يغلب عليها البوح والاعتراف ،إذ تمنح الرسالة صاحبها مساحة اوسع للشرح ، إلا ان هذا الاختيار جاء على حساب كثافة الرمز، كان يكفي ان يترك هوية الرمز للقارئ ، ومع ذلك ترك الكاتب لنا دلالة الجدول مفتوحة على التأويل.
وتبلغ اللوحة ذروتها حين تسأل الابنة أباها: " وأين ماما في عالمك ؟" ، هنا ينتقل النص من معالجة أزمة الطفلين ، إلى كشف مأساة الأب ذاته، فهو استطاع ان يبتكر حلًا للطفلين ، لكنه عاجزًا عن إيجاد حلًا لعالمه. فلا يُجيب عن السؤال ، بل يبكي، وهذه النقطة تُسقط اللغة كلها ، ويصبح الصمت والدموع ابلغ من اى تفسير، الإجابة لم تأت من الأب بل تأتي من الابنة التي ترسم أمها مكان قرص الشمس، ثم تعيد رسم ابيها جدولًا في بستانها.
وكأن الكاتب يمنح الرسم في خاتمة النص سلطة تتجاوز سلطة الكلمات ، وهكذا لا تبدو " اللوحة " مجرد رثاء لأم غائبة ، وإنما تأمل إنساني في الفقد ، وتؤكد أن الفن ممثلًا في الرسم يمتلك القدرة على التعبير عن أعقد المشاعر، حين تعجز اللغة عن البوح بها .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك