هل يوفر الهيدروجين الأخضر طاقة المستقبل في تونس
تواجه تونس عجزاً متزايداً في ميزان الطاقة الأولي، حيث تجاوزت نسبة الاعتماد على التوريد الـ50% خلال السنوات الأخيرة، مما يضغط بشكل مباشر على ميزانية الدولة والاحتياطي من العملة الصعبة، ويجعل البحث عن بدائل مستدامة ضرورة قصوى لاستعادة التوازن الاقتصادي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز "الهيدروجين الأخضر" كأحد أبرز الحلول الاستراتيجية المطروحة لإعادة رسم خريطة الطاقة في البلاد، لما تتمتع به تونس من مقومات طبيعية متميزة تتمثل في معدلات سطوع شمسي عالية وسرعة رياح قوية، فضلاً عن قربها الجغرافي المباشر من الأسواق الأوروبية الباحثة عن الطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، يؤكد المستشار الدولي في مجال الطاقة، عزالدين خلف الله، في حديثه لنقاش، أن "الهيدروجين الأخضر يمثل فرصة استراتيجية أمام تونس للانتقال من بلد مستورد للطاقة إلى منتج ومصدر لها".
ويرى خلف الله أن المشاريع المرتبطة بهذا القطاع قادرة مستقبلاً على خفض العجز الطاقوي وجذب تدفقات استثمارية ضخمة بالعملة الصعبة، فضلاً عن توفير فرص عمل جديدة للشباب والكفاءات الهندسية، لا سيما مع المبادرات الإقليمية المخطط لها مثل مشروع "ممر الهيدروجين الجنوبي" الممتد نحو وسط أوروبا.
لكن التوجه نحو التصدير المباشر يثير نقاشاً اقتصادياً واسعاً حول الكيفية المثلى لتعظيم الفائدة المحلية ودعم الاقتصاد الوطني دون الاكتفاء بدور الممر أو المورد للمادة الخام.
وفي هذا الإطار، شدد الخبير الاقتصادي وليد الكسراوي على ضرورة ألا تقتصر الرؤية الاستراتيجية على الجانب التمويني، مؤكداً ضرورة "تحول المشروع إلى التصنيع والاستثمار بدل الاكتفاء بدور المورد للطاقة النظيفة إلى أوروبا".
وتستند هذه الدعوة إلى أن توطين صناعة الهيدروجين يتيح استخدامه محلياً في خفض الانبعاثات الكربونية للقطاعات الثقيلة مثل الإسمنت والحديد، وإنتاج "الأمونيا الخضراء" لدعم صناعة الأسمدة الوطنية، مما يساهم في خلق قيمة مضافة عالية ويرفع من تنافسية المنتجات التونسية عالمياً.
وعلى الجانب الآخر، لا يخلو هذا المسار الواعد من تحديات عقيمة تتطلب معالجة حذرة؛ إذ يوضح خبير الطاقة غازي بن جميع، في حديثه لنقاش، أن "نجاح مشاريع الهيدروجين الأخضر يواجه تحديات بيئية واقتصادية، أبرزها ارتفاع تكلفة الإنتاج والحاجة الكبيرة إلى المياه".
وتتجلى هذه الإشكالية في كون إنتاج الهيدروجين يستلزم كميات هائلة من المياه العذبة شديدة النقاء، في وقت تصنف فيه تونس ضمن الدول التي تعاني من شح مائي حاد.
وبذلك يتوقف نجاح القطاع على الاعتماد الكلي على محطات تحلية مياه البحر المرتبطة بالطاقات المتجددة، وهو ما يضيف أعباء مالية وتنظيمية إلى جانب التكلفة الرأسمالية المرتفعة لتقنيات التحليل الكهربائي للبنية التحتية.
وفي المحصلة، يتضح أن نجاح الهيدروجين الأخضر في تقليص عجز ميزان الطاقة بتونس ليس أمراً حتمياً، بل يتوقف على قدرة صانع القرار على صياغة سياسة متوازنة تضع أولوية لتغطية الاحتياجات الوطنية وتوطين الصناعة المحلية قبل التصدير، مع ضمان حماية الموارد المائية، ليتحول هذا الوقود من مجرد فرصة نظريّة إلى محرك حقيقي للتنمية والاستقلالية الطاقوية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك