من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الجنرال يعقوب

حمدي البطران
الجنرال يعقوب


أحد الشخصيات التي دار حولها جدل كبير في التاريخ المصري. ويرجع هذا الجدل إلى تعاونه مع الحملة الفرنسية على مصر التي احتلت مصر بقيادة نابليون بونابرت. أيا كان الأمر فإن الجنرال يعقوب من خلال ما أبداه من أفكار أملاها علي الفارس لإسكارس، وهي الأفكار التي صاغها الأخير باعتبارها مشروعا وطنيا. 

وقد تحدث عن هذ الموضوع باستفاضة الدكتور محمد شفيق غربال في كتابه الجنرال يعقوب والفارس لإسكارس ومشروع استقلال مصر في سنة1801م. 

في البداية، من هو يعقوب؟ 

يعقوب يوحنا من مشاهير الأقباط في القرن الثامن عشر، ولد في ملوي في محافظة المنيا بصعيد مصر عام 1745 لأسرة قبطية متوسطة، تعلم بأحد الكتاتيب القبطية وتعلم بها المواد الدينية والقراءة والكتابة والحساب، عمل مساعدًا لبعض أبناء طائفته العاملين بجباية الأموال والحسابات حتى تعلم حرفتهم، عمل بعد ذلك لدى سليمان بك أغا رئيس الإنكشارية، وكان من كبار أغنياء المماليك، وتكونت لدى يعقوب ثروة كبيرة من عمله لديه.

كان رجال الكنيسة غير راضين عن يعقوب لتصرفاته التي كانت تخالف تعاليم الكنيسة، سواء تصرفاته الشخصية أو حتى مع إخوانه من أبناء ملته.

وعندما جاءت قوات حسن باشا إلى مصر عام 1786م لتثبيت الحكم العثماني، شارك المعلم يعقوب في قتالهم بصفوف المماليك، مما جعله يتقن فنون القتال والفروسية.

عندما دخل نابليون بونابرت القاهرة، واستقر به الأمر، استعان ببعض المصريين منهم المعلم جرجس الجوهري والمعلم يعقوب، وقام بونابرت بتعيينهم رؤساء للمالية في الأقاليم، عدا المعلم يعقوب، والذي أحتفظ به بونابرت لما يمتاز به من صفات جسدية قوية، وألحقه بخدمة الجنرال ديزييه. 

كان ديزييه بحاجة الي رجل تجتمع في شخصه الصفات الإدارية والصفات العسكرية. بالإضافة الي خبرته ببلاد الصعيد التي ستمضي فيها الحملة عند مطاردتها لفلول المماليك. 

كانت الجيوش الفرنسية تحصل على مئونتها من طريق القرى التي تمر بها، فكان القائد الفرنسي يعسكر بالقرب من القرية، ثم يطلب في إحضار شيوخ القرية، ويطلب منهم تدبير القمح والذبائح وكافة متطلبات الجيوش، وأيضا والتبن والذرة والبرسيم للخيول. 

وحدث أن الجنرال بليار طلب من شيوخ أحدي القرى التابعة لبني سويف، المواد اللازمة للجيش وتأخر شيوخ القرية في جلب الأصناف التي طلبها بليار، فما كان من بليار إلا أن قبض على المشايخ وأحتجزهم رهينة في المعسكر. ولما علم المعلم يعقوب وكان مع الجنرال ديزييه بالأمر، نصح بليار باستعمال اللين في جلب الإتاوات، والكف عن إرهاق الأهالي، وإخلاء سبيل المشايخ المحتجزين، وبعدها جاء المشايخ بالإتاوات، وأصبح المعلم يعقوب هو عماد الحملة المتجهة الي الصعيد ومستشارها. 

بعد أن أخضع الجنرال ديزييه الصعيد، وشكا الي الجنرال يعقوب من أنقطاه سبل الاتصال بين الحاميات والجيش الرئيسي، وعلى الفور قام الجنرال يعقوب بتكوين فرقة من الهجانة تكون مهمتها توصيل البريد الي الحاميات وتوفير سيل الاتصال بها.

وبعد أن سافر نابليون، ترك للجنرال كليبر إدارة الحملة، وكان ديزييه قد عاد من الصعيد، وأكتشف مواهب المعلم يعقوب، وقام ديزييه بتزكية يعقوب لدي الجنرال كليبر، فقرر كليبر الاستفادة من المعلم يعقوب في النواحي المالية والإدارية والتي كان الجنرال كليبر يزمع تنظيمها. 

كان المعلم يعقوب بعيد النظر لأجل هذا فكر في إنشاء جيش من الأقباط يمكن الاعتماد عليه في أوقات الشدة، وفي أثناء وجوده مع الجنرال ديزييه، عرض عليه الفكرة، وبدوره عرض ديزييه الفكرة على قواده، وأعجبتهم الفكرة فوافقوا عليها. 

بعد قتل الجنرال كليبر، وإسناد قيادة الحملة الفرنسية إلي الجنرال مينو، رأي يعقوب سوء تدبير مينو وقلة حيلته، فاتفق معه على تشكيل جيش للأقباط، وتم تجنيد ألفين منهم، وقام الفرنسيون بتدريبهم على حمل السلاح، والحركات العسكرية والانضباط والطاعة، وتم إسناد رآسة الفرقة الي الجنرال يعقوب.

بعد تأليف الفيلق القبطي قام الجنرال كليبر، الذي حل محل نابليون بعد سفره، بمنح المعلم يعقوب رتبة الكولونيل أثناء حفلة عسكرية، وأمر بان يكون له حرس شرف يرافقه في تنقلاته، وأعطيت له براءة الرتبة يوم 1 أغسطس 1800 موثقة بتوقيع داماس رئيس أركان الجيش الفرنسي. 

وفي مارس 1801 رقي الكولونيل يعقوب الي رتبة الجرنال. 

وبعد فشل الحملة الفرنسية، وتحالف الإنجليز مع الأتراك، وبدأت عملية مغادرة الفرنسيين لمصر بموجب المعاهدة مع الإنجليز، تم تسليم مدينة القاهرة بمعرفة القائد بليار. 

وتم السماح لكل من يرغب من المصريين الخروج من مصر صحبة الجيش الفرنسي. 

وعندما انتهت الحملة الفرنسية، وتأهبت قواتها الي الإبحار والعودة كانت هناك اعداد من المصريين يتمسكون بالذهاب الي فرنسا، وهؤلاء هم بعض أعضاء الجيش المصري القبطي الذي أنشأه الجنرال يعقوب. 

وبالفعل أبحر يعقوب علي أحدي السفن ومعه بعض قواته وأركان فيلقه الذي أسسه من المصريين، منهيا بذلك اول فكرة لإنشاء جيش مصري. 

ومن ناحيتنا نري أن مشروع الجنرال يعقوب لإنشاء دولة مستقلة كاتن مجرد خيال ردده الجنرال يعقوب لنفسه , وأقنع به بعض صغار الساسة الفرنسيين والإنجليز , وربما كان الجنرال الفرنسي ديزييه , الذي أخضع المماليك في صعيد , وراء هذا المشروع , من خلال الجلسات المطولة التي كان يعقدها مع الجنرال المصري يعقوب , ومن خلال المسامرات , فلم يكن ديزييه مجرد قائد عسكري , ولكنه كان مثقفا وسياسيا , وواعيا تماما فكرة العلوم السياسية , وربما حاول أقناع يعقوب بما وجده فيه من حسن تدبير , ورغبة في التعلم , وهو ما لم يجده الفرنسيون في أي شخصية مصرية من الشخصيات التي تعاملوا معها . 

التفاصيل التي أوردها لاسكاريس عن مشروع الجنرال يعقوب لا توحي أبدا بفكرة إنشاء قومية، أو بناء دولة، ولكنه مشروع تنقصه رعاية دولة أجنبية، كبريطانيا أو فرنسا، كي يصبح قابلا للتنفيذ، وهو ليس كمشروع محمد علي الذي نفذه في مصر، بعيدا عن الدولة العثمانية، والذي تمكن من تحييد الدول الكبري في ذلك الوقت، وكانت تلك الدول لا تزال تقف في جانب الدولة العثمانية، ولم تكن تنظر الي محمد علي إلا بكونه حاكم مجتهد، مع أن محمد علي لم يكن مصريا، ولكنه مغامر جسور ولا تنقصه الجراءة. 

لقد كانت فكرة المعلم يعقوب تقوم على تجنيد المصريين من الأقباط فقط، وهي الفكرة التي – من حسن الحظ – لم تخطر ببال أحد الشيوخ الذين عاصروا الحملة الفرنسية، مثل الشيخ الفيومي أو البكري وغيرهم. 

وكانت فكرة يعقوب من الناحية العملية ضرورية، لحماية الأقباط من العسف والظلم والجور الذي تعرضوا من الأتراك، ومن الغوغاء من ناحية أخري. لذا فإنه عند انسحاب الفرنسيين كانت القاهرة خالية من أي حماية. 

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10503
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.