من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بوخارين وستالين: حين يهزم "الحديد" أمام منطق التاريخ

خالد بيومي
بوخارين وستالين: حين يهزم


في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، لم يكن نيكولاي بوخارين مجرد "مثقف" عابر في مسيرة الحزب البلشفي، بل كان أحد أبرز منظّريه، ورفيقاً مقرباً من ستالين نفسه في صراعه ضد تروتسكي وزينوفييف وكامينيف. حتى أن ستالين أعلن علناً في تلك المرحلة: "نحن معه ولصالح بوخارين"، في إشارة إلى دعمه الكامل لبوخارين وسياسته الاقتصادية الجديدة (النيب) التي طرحها كبديل عن مسار تروتسكي.

لم يكن بوخارين شخصية هامشية؛ فقد تولى رئاسة تحرير جريدة "برافدا" منذ الأيام الأولى لثورة أكتوبر،  وكان يُنظر إليه بوصفه ثاني أهم منظّري الحزب بعد لينين نفسه.

ولاء ستالين له لم يكن خالياً من السخرية؛ فقد كان يستخدم لقب "بوخارتشيك" (بوخارين الصغير) - وهو في الأصل لقب تودد - لتصغير شأنه أمام الآخرين. 

من الحليف إلى الضحية

مع تثبيت ستالين لسلطته المطلقة، بدأ في تصفية كل منافسيه المحتملين، وكان بوخارين - رغم ولائه السابق - أحد أبرز الأهداف. سُمح له لفترة بتحرير جريدة "إزفيستيا" والمشاركة في صياغة الدستور الجديد، لكن هذا "الاعتبار" الظاهري لم يكن سوى مقدمة للنهاية.

في مارس 1938، جرت المحاكمة الثالثة من "محاكمات موسكو" الكبرى،  والمعروفة بـ"محاكمة الحادي والعشرين"، حيث اتُّهم بوخارين وآخرون بالتآمر لاغتيال لينين وستالين، وبقتل الكاتب مكسيم غوركي بالسمّ، إضافة لتهم التجسس والخيانة. وقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز حينها سخافة هذه الاتهامات بمقارنتها بمحاكمة مؤسسي الثورة الأمريكية أنفسهم بعد عشرين عاماً من انتصارهم.

اعترف بوخارين تحت الإكراه بـ"مسؤولية سياسية" عن انحرافات أيديولوجية مزعومة، لكنه أنكر صراحة مشاركته في أعمال إرهابية أو تجسس أو اغتيالات محددة - وهو موقف نادر من التمرد الجزئي وسط مسرحية اعترافات مكتوبة سلفاً.

"كوبا، لماذا تحتاج موتي؟"

في رسالته الأخيرة إلى ستالين، والتي بقيت من أكثر وثائق تلك الحقبة تأثيراً، كتب بوخارين: "كوبا، لماذا تحتاج موتي؟"  ولم يصله رد. في الخامس عشر من مارس 1938 أُعدم رمياً بالرصاص، عن عمر لم يتجاوز 49 عاماً.

خلال فترة سجنه الأخيرة في زنازين "لوبيانكا" الشهيرة، وبينما كان يواجه حكماً نهائيا بالإعدام، كتب بوخارين عمله الفلسفي "أرابيسك فلسفية" (Philosophical Arabesques)، الذي ظل حبيس أرشيف الكرملين لعقود قبل أن يُنشر لاحقاً، ويُعد اليوم مرجعاً أساسياً لدارسي الماركسية والثورة الروسية.

من  منهما هزم الآخر ؟

في المحصلة، مات ستالين عام 1953 وهو على قمة السلطة، لكن الاتحاد السوفيتي الذي بناه بالحديد والنار تفكك عام 1991. أما بوخارين، الذي أُعدم باعتباره "خائناً"، فقد أعادت السلطات السوفيتية نفسها الاعتبار إليه رسمياً عام 1988 في عهد ميخائيل غورباتشوف، حين أُعلنت براءته من كل التهم الملفقة - لتنتصر بذلك "رؤية" المثقف على "قمع" السلطة، ولو بعد خمسين عاماً من الرحيل.


#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10514
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.