هل تستشعر الحيوانات الزلازل قبل وقوعها؟ العلم يقترب من تفسير الظاهرة
منذ قرون، تتكرر روايات عن سلوك غريب للحيوانات قبيل وقوع الزلازل بساعات أو أيام: كلاب تنبح بلا سبب ظاهر، طيور تهجر أعشاشها فجأة، وحيوانات مزرعة تصاب بحالة من الهياج والقلق. وبينما ظلت هذه الملاحظات لعقود حبيسة القصص الشعبية والروايات الفردية غير الموثقة، بدأ العلم في العقد الأخير يقترب من اختبارها بأدوات دقيقة، عبر تتبع الحيوانات بأجهزة استشعار متطورة بدلاً من الاعتماد على شهادات العيان.
دراسة ألمانية-إيطالية ترصد السلوك بالأرقام
في واحدة من أكثر الدراسات صرامة حول هذه الظاهرة، قام باحثون من معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان في ألمانيا، بالتعاون مع مركز الدراسات المتقدمة للسلوك الجماعي بجامعة كونستانس، بتثبيت أجهزة استشعار حركة وأنظمة تحديد مواقع (GPS) على ست أبقار وخمسة أغنام وكلبين، في مزرعة تقع بمنطقة معرضة للزلازل شمال إيطاليا. استمرت المراقبة لفترات تراكمية بلغت نحو أربعة أشهر خلال عامي 2016 و2017، ورصد الباحثون أكثر من 18 ألف ساعة من بيانات الحركة.
أظهرت النتائج أن الحيوانات كانت تبدي نشاطاً وقلقاً غير معتادين في الساعات التي سبقت الهزات الأرضية، وأن هذا التغير في السلوك كان يظهر في وقت أبكر كلما كانت الحيوانات أقرب إلى مركز الزلزال، بينما يتأخر ظهوره كلما ابتعدت عنه. ووفقاً للباحثين، فقد بدت الحيوانات وكأنها تستشعر الزلزال قبل وقوعه بفترة تراوحت بين ساعة وعشرين ساعة، وهو ما فسّره الفريق العلمي باحتمال أن تكون الحيوانات تلتقط "إشارة" تنتشر تدريجياً في الأيام أو الساعات السابقة على الزلزال، ربما ناتجة عن ضغط الصفائح التكتونية المتحركة.
حكاية الضفادع التي اختفت قبل زلزال لاكويلا
من أبرز الحالات الموثقة علمياً، دراسة أجريت في بحيرة سان روفينو بإيطاليا عام 2009، حيث كان أحد الباحثين يرصد سلوك التكاثر لدى الضفادع الشائعة، حين لاحظ اختفاءها المفاجئ من موقع تكاثرها. لم تعد الضفادع إلا بعد خمسة أيام، وتزامنت عودتها مع وقوع زلزال بقوة 6.3 درجات ضرب مدينة لاكويلا على بعد نحو 80 كيلومتراً. أظهر التحليل اللاحق أن نحو 96% من الضفادع في الموقع هجرت المكان قبل خمسة أيام كاملة من الزلزال، في واحدة من أوائل الدراسات التي وثّقت رقمياً تغيراً سلوكياً لدى البرمائيات قبل نشاط زلزالي. ويُرجّح العلماء أن جلد الضفادع النفاذ يجعلها حساسة بشكل خاص للتغيرات الكيميائية في المياه الجوفية، ما قد يجعل سلوكها مؤشراً إنذارياً مبكراً محتملاً.
التفسيرات العلمية: من الموجات الأولية إلى الأيونات الجوية
بالإضافة إلى التفسيرات المتعلقة بالمجالات المغناطيسية والاهتزازات دون السمعية والغازات الجوفية، يطرح الباحثون تفسيرات إضافية تستحق الذكر:
موجات P والفارق الزمني الحقيقي: عند وقوع الزلزال، تنطلق أولاً موجات ابتدائية (P) تتحرك عبر الصلب والسائل والغاز بسرعة أكبر من الموجات القَصّية (S) التي تسبب الاهتزاز الفعلي المدمر. هذا الفارق يمنح الحيوانات ذات الحواس الدقيقة نافذة زمنية قصيرة جداً، غالباً أقل من دقيقتين، لا يشعر بها الإنسان عادة لكنها كافية لبعض الحيوانات لتغيير سلوكها أو محاولة الفرار.
نظرية الأيونات الموجبة:
يفترض بعض الباحثين أن الضغط المتراكم في الصخور قبل الزلزال قد يطلق جسيمات مشحونة كهربائياً تزيد من تركيز الأيونات الموجبة في الهواء والتربة المحيطة بمنطقة الصدع، وهي ظاهرة قد تؤثر على مستويات التوتر والسلوك لدى الحيوانات، بل ولدى الإنسان أيضاً في بعض الحالات، وإن كانت هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأدلة.
حجم الرأس ونوعية السمع:
أشارت بعض الأبحاث إلى أن الكلاب ذات الرؤوس الأصغر أظهرت زيادة أكبر في مستويات النشاط والقلق قبل الزلازل مقارنة بالكلاب ذات الرؤوس الأكبر، وهو ما قد يرتبط بقدرتها على التقاط أصوات زلزالية عالية التردد لا يسمعها الإنسان.
حدود المعرفة العلمية حتى الآن
رغم تراكم الأدلة، يشدد العلماء على أن الفارق شاسع بين "الاستشعار" اللحظي لموجات أو تغيرات فيزيائية قبل ثوانٍ أو ساعات من الزلزال، وبين "التنبؤ" به قبل أيام أو أسابيع بشكل موثوق يمكن البناء عليه كنظام إنذار مبكر رسمي. فالروايات المتناثرة عن سلوك غريب للحيوانات كثيراً ما تفتقر إلى تعريف علمي واضح لما يُعتبر "سلوكاً غير معتاد"، كما أن فترات الرصد في كثير من الحالات التاريخية كانت قصيرة جداً لاستبعاد عوامل أخرى مؤثرة. ولهذا يعمل الباحثون حالياً على توسيع نطاق الدراسات لتشمل مناطق زلزالية أخرى في تشيلي وشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية، ضمن مشروع وصفه أحد الباحثين بـ"البحث عن الكنز البيولوجي"، بهدف اختبار مزيد من الأنواع وتحديد ما إذا كان بالإمكان تطوير نظام إنذار مبكر يعتمد على مراقبة سلوك الحيوانات بشكل مستمر عبر أجهزة استشعار.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك