من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

فاروق خورشيد..مبدع السيرة الشعبية ورائدها الإذاعي

كتبت: د. سميرة أبو طالب
فاروق خورشيد..مبدع السيرة الشعبية ورائدها الإذاعي


 لم تكن مسيرة الكاتب والمبدع "فاروق خورشيد" في الإذاعة المصرية مجرد مسار وظيفي تدرّج فيه، وقضى سنوات عمره، بل كان المثقف الموسوعي الذي أتاح ثروة معرفية هائلة للمستمع، والمتلقي المصري والعربي، عبر برامجه التي جعلها منبرا للموهوبين والمبدعين، ليقدم أجيالا جديدة للإبداع في مختلف المجالات، وعبر مسلسلاته الدرامية التي ساهمت بشكل كبير في صياغة الوجدان الشعبي بكل ما قدمته من سير رسّخت أقدامه ككاتب سيرة متمكن، وهو الذي طالما بحث عن الشخصية المصرية والعربية في التراث الحي، ليعيد تقديمها عبر تلك الأعمال الدرامية، والمؤلفات الملهمة التي قدمها للمكتبة العربية. 



 إن اقتفاء أثر "فاروق خوشيد" الإبداعي، لا يمكن أن يتم بمعزل عن تلك الأدوار الثقافية التي قام بها خلال مسيرته، إذاعيا، وكاتبا، وأستاذا للأدب الشعبي ومناهج البحث والقصة المعاصرة والدراسات الإعلامية، ورئيسا لاتحاد الكتاب. غير أن تخصيص هذه المساحة لدوره في الإذاعة المصرية، يكشف عمق الأثر الذي استطاع " فاروق خورشيد" أن يحدثه من خلال استثمار مساحة هذا الوسيط في توسيع قاعدة التلقي لفنون الإبداع على اختلافها.


وإذا كانت مسيرته الإبداعية والأكاديمية ارتبطت في شقها الأكبر بالتراث الشعبي، فإن جذور هذا الاهتمام نبتت من عمق نشأته التي تعود إلى حي شعبي، تفاعل معه واندمج فيه، ليتبلور هذا الاهتمام في رحاب كلية الآداب بجامعة القاهرة، التي تخرّج فيها عام 1950، وقد ربطته علاقة وثيقة بأستاذه الشيخ "أمين الخولي"، الذي كان يشغل أستاذية كرسي الأدب المصري، كما ربطته علاقة وثيقة بأستاذه الدكتور" عبد الحميد يونس"، أول أستاذ للأدب الشعبي، لتنصهر مراحل هذا الاهتمام في بوتقة أعمال إبداعية خرجت للنور عبر أثير الإذاعة المصرية؛ فكانت مسلسلاته الدرامية التي بلغت خمسة وعشرين مسلسلا دراميا، منها: " على الزيبق" و"الأميرة ذات الهمة"، و" سيف بن ذي يزن" و" عنترة بن شداد" و"إرم ذات العماد" و" أحلام شهرزاد"، و" أبو حيان التوحيدي"، وغيرها من الأعمال الدرامية التي تحتفظ بها الذاكرة الإذاعية. 



 و" فاروق خورشيد" في تلك المسيرة الإبداعية، دشّن لمساحة بينية ربطته بمختلف الفنون، وإن كانت الإذاعة أبرزها؛ فإلى جانب ما قدمه إذاعيا، كان عمله كمصمم مناظر واكسسوارات في العديد من الأفلام السينمائية، منها: " أدهم الشرقاوي" و" الكمساريات الفاتنات"، و" عروس النيل" و" عريس مراتي"، و" أهل الهوى" و" أنا الدكتور" و" نفوس حائرة" و" المليونير المزيف" و" أبي فوق الشجرة" و" بمبمة كشّر"، وغيرها من الأفلام، وهو ما يكشف عن حس فني يتجاوز حدود المكتوب إلى عقد صلة وثيقة مع الفنون الآخرى التي تمكنه من إثراء إبداعاته وتقديمها بعين مغايرة للمألوف؛ انطبع ذلك على كتاباته للسيرة الشعبية، التي استطاع أن يهيئ لها عوامل جذب كبيرة، سواء في المنشور ورقيا، أو المذاع عبر أثير الإذاعة، فاستطاع أن يجعل من قراءة ومتابعة السير الشعبية زادا لكل محب للأدب العربي. 


 وإذا كان الخط الفاصل بين إذاعي، وإذاعي مبدع هو رهافة الحس بالكلمة، فإن القدرة على استشراف الآتي، وتطويعه عبر وسيط الإذاعة، كان سمة واضحة لدى الإذاعيين الأدباء عبر مسيرة الإذاعة في حقبها المختلفة، ومنهم "فاروق خورشيد"، الذي استطاع أن يضيف إلى رصيده الإذاعي قدرا كبيرا من اكتشاف الموهوبين، وتقديمهم على ساحة الإذاعة، بوصفها الوسيلة الأكثر جماهيرية وحضورا في الحياة الثقافية آنئذ، بل والاحتفاء برموز الأدب العربي، وتقديم منجزهم الإبداعي وفق رؤية تتسق مع هذا الفكر الثاقب في إدارة تلك المساحة المخصصة إذاعيا للوصول بها إلى المتلقي؛ على النحو الذي أورده الدكتور "جابر عصفور" في مقال له تحت عنوان " رحلة مع الإذاعة"، متحدثا عن "فاروق خورشيد"، يذكر فيه: أنه " حين كان يُشرف على "إذاعة الشعب"، عندما أخبرنا –ذات مساء- عن ضرورة الاحتفاء بـ" طه حسين"، وكان ذلك قبل حوالي عام من وفاة " طه حسين" في شهر أكتوبر سنة 1973، واقترح علينا أن يشترك أعضاء الجمعية الأدبية المصرية ومحبوها في إقامة موسم كامل من النشاط عن " طه حسين"، ويتم تسجيل كل الندوات بواسطة إذاعة (مع الشعب) على أن تذاع كل التسجيلات في موسم إذاعي كامل، يذهب عائده المالي إلى " طه حسين"، تحية وتقديرا له من تلامذته وتلامذة تلامذته، الذين مضوا في دربه الفكري". 



 لقد شكّل " فاروق خورشيد" بوجوده الإذاعي على الأثير، مدرسة إذاعية وإعلامية متكاملة، قبل أن يكون منبعا من منابع الفكر العربي، وهو الذي عمل بالإذاعة مذيعا بالبرنامج العام، وترقى في المناصب الإذاعية ليصبح مديرا لإدارة وحدة النصوص والتمثيليات، ومراقبا عاما للبرامج في إذاعة الشرق الأوسط، ثم مراقبا للبرامج الثقافية والخاصة والأحاديث، ثم مديرا لإذاعة الشعب، وهي المراحل الوظيفية التي مكنته من تأكيد الدور الثقافي للمبدع في الارتقاء بذائقة المتلقي، وإعطاء المثال الحي على التفاعل الخلاق مع الوسائط على اختلافها، وأن يكون الوسيط ساحة إبداع جديدة تضاف إلى مساحات أخرى، وتلقي الضوء على أجيال جديدة جديرة بالاحتفاء بها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10535
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.