"الرواد النفسيون": حين كان الأطباء والعلماء يجربون المخدرات على أنفسهم لفهم العقل البشري
في كتابه الصادر عن دار نشر جامعة ييل عام 2023 تحت عنوان "Psychonauts: Drugs and the Making of the Modern Mind"، والذي صدرت ترجمته العربية بعنوان "الرواد النفسيون: المواد المخدرة وتشكيل العقل الحديث" عن سلسلة "مكتبة علم نفس" بترجمة بندر الحربي، يقدّم المؤرخ الثقافي البريطاني مايك جاي عملاً فكرياً وتاريخياً موثقاً، وليس عملاً روائياً أو تخييلياً كما قد يوحي الغلاف الفني للطبعة العربية.
فرضية الكتاب: تجربة الذات كمنهج علمي
يتتبع جاي في هذا العمل تقليداً فكرياً امتد من تسعينيات القرن الثامن عشر حتى مطلع القرن العشرين، حين كان الأطباء والعلماء والفلاسفة يجربون المواد المخدرة على أنفسهم بوصف ذلك منهجاً معرفياً مشروعاً لاستكشاف أعماق العقل البشري، لا سلوكاً منحرفاً أو مرضياً. وبحسب مراجعة نشرتها مجلة "History Today"، فقد حظيت هذه التجارب الذاتية بدعم عام ومهني واسع قبل أواخر القرن التاسع عشر، باعتبارها وسيلة لا غنى عنها لفهم تأثيرات هذه المواد.
من فرويد إلى وليام جيمس: شخصيات استثنائية
يستعرض الكتاب نماذج بارزة من هذا التقليد المنسي، أبرزها تجارب سيغموند فرويد المبكرة مع الكوكايين، والتجربة التي عاشها الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمس مع غاز أكسيد النيتروز (غاز الضحك)، والتي وصفها بأنها كشفت له عن أبعاد جديدة في الوعي الإنساني. كما يتناول جاي تجارب أخرى شملت الأفيون والحشيش والفطر المسبب للهلوسة، ضمن دوائر علمية وأدبية وحتى في صالونات أدبية وطقوس صوفية.
الانعطافة بعد عام 1900
يرصد الكتاب لحظة التحول الحاسمة: فبعد بداية القرن العشرين، بدأت النظرة إلى المخدرات تتغير جذرياً، إذ تحوّلت من أداة معرفية إلى "مشكلة اجتماعية" تستوجب التجريم والضبط، وهو ما أدى إلى اندثار تقليد التجريب الذاتي العلمي تدريجياً. ويرى المؤلف أن هذا التحول لم يمحُ الأثر الفكري العميق الذي تركته تلك التجارب، إذ يعتبر أنها ساهمت في ولادة علم النفس الحديث واكتشاف اللاوعي، بل وفي نشأة الحداثة الفنية والفلسفية ذاتها.
راهنية الموضوع
يربط جاي بين هذا التاريخ المنسي وبين اللحظة الراهنة، مشيراً إلى أن الاهتمام المتجدد بالمؤثرات العقلية الحديثة والمواد السيكاديلية (النفسية-الفعّالة) في الأبحاث العلمية المعاصرة يعيد فتح النقاش حول إرث "الرواد النفسيين" الأوائل ودورهم في تشكيل فهمنا للعقل والوعي.
تقدير نقدي: حصل الكتاب على جائزة "جيمس أ. ديوك" لعام 2024 التي يمنحها المجلس الأمريكي للنباتات (ABC)، إضافة إلى جائزة "كايرون" لأفضل كتاب الصادرة عن الجمعية الدولية لتاريخ العلوم السلوكية والاجتماعية، كما وصفته مجلة "Isis" العلمية المتخصصة في تاريخ العلوم بأنه "استقصاء آسر" يتقاطع مع الأدبيات الأكاديمية في تاريخ العلم رغم موجهته لجمهور واسع.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك