تحليلُ ظاهرةِ (حميدتي) في الحياةِ السودانيّة
المدخل
إنَّها ظاهرةٌ لم تنشأْ من فراغٍ، بل تمتدُّ جذورُها في المجتمعِ السودانيِّ، كامنةً في النفوسِ، متحفِّزةً تحتَ سطحِ الحياةِ اليوميّة، تنتظرُ المواقفَ لتطفو على السطحِ في صورةِ عداوةٍ متجدِّدةٍ وأحزانٍ لا تنطفئ.
فهي طبيعةٌ سودانيّةٌ أصيلةٌ، تُشبهُ النارَ تحتَ الرماد: لا تُرى في السكونِ، لكنّها تبقى حاضرةً، تنتظرُ الشرارةَ لتشتعلَ من جديد.
من أين جاءت تسميةُ "ظاهرةِ حميدتي"
ولأنَّ هذه الطبيعةَ الكامنةَ اقترنتْ بالحربِ التي زلزلت البلادَ، وأطاحتْ بطمأنينةِ العاصمةِ السودانيّة، وخلخلتْ أركانَ القيادةِ السياسيّةِ والعسكريّة، فقد غدتْ رمزًا لانفجارٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ هزَّ البنيةَ كلَّها، وأعادَ تشكيلَ الوعيِ السودانيِّ على وقعِ الدماءِ والانقسامات. فارتبطتْ في الذاكرةِ الجمعيّةِ باسمٍ واحدٍ صار عنوانًا لهذه الحقبة.
مفهوم الظاهرة
جوهرُ هذه الظاهرةِ أنَّ العداوةَ تدومُ، والأحزانَ تتجدّدُ، فلا تنتهي الخلافاتُ بالمصالحةِ، ولا يُجدي معها طلبُ العفوِ والمسامحة.
إنَّها طبيعةٌ راسخةٌ، تجعلُ كلَّ خلافٍ جديدٍ امتدادًا لخلافٍ قديمٍ، فلا تُنهيه تسويةٌ، بل تتحوّلُ كلُّ مصالحةٍ إلى عداوةٍ جديدةٍ، وكأنَّ التاريخَ يعيدُ نفسهُ في صورٍ متكرّرةٍ لا تنطفئ.
تفسير الظاهرة
إذا وقعَ خلافٌ شخصيٌّ أو سياسيٌّ، فإنَّه يظلُّ محفورًا في الذاكرةِ، مهما انعقدتْ مصالحاتٌ أو رُفعتْ شعاراتُ التسامح.
لا يجدي معها العفوُ، لأنَّ الذاكرةَ الجمعيّةَ مثقلةٌ، تستدعي الماضي عندَ كلِّ منعطفٍ.
وهكذا تتجدّدُ العداوةُ بصورةٍ أنكى.
حدوث الظاهرة
لقد اهتزّتْ العاصمةُ السودانيّةُ، وتبدّدتْ طمأنينةُ سكّانِها في مدنِها الثلاث: الخرطوم، بحري، وأم درمان.
انكسرتْ البنيةُ الحضريّةُ، وتحولتِ الشوارعُ إلى ساحاتٍ للفوضى، والمنازلُ إلى مواطنَ للذعرِ، والمؤسّساتُ إلى أطلالٍ خاوية.
ولم يقتصرْ أثرُ الحربِ على العاصمةِ، بل امتدَّ إلى كافةِ الأقاليم؛ إذ بدأتْ شرارتُها في مروي شمالًا، ثم انسابتْ من قلبِ الخرطوم إلى وسطِ السودان، لتتحوّلَ لاحقًا إلى ساحاتِ قتالٍ في الغربِ ما تزالُ مشتعلةً حتى اليوم.
وهكذا تبيّنَ أنَّ الظاهرةَ لم تُحاصرْ في جغرافيا محدودةٍ، بل عمّتْ الوطنَ كلَّه، وأعادتْ تشكيلَ وعيِه الجمعيِّ على وقعِ الدماءِ والانقسام.
الشواهد التاريخيّة
على صفحاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ نشأتْ روابطُ تحملُ أسماءً تمجّدُ أحداثًا بعينِها، ففتحتْ جراحًا قديمةً وأفرزتْ معلوماتٍ لم تكنْ متاحةً من قبل.
ومع ظهورِ مؤيّدين كانوا في الماضي على طرفي نقيضٍ، عادتْ إلى السطحِ عداواتٌ طُويتْ صفحاتُها بالمصالحةِ والمشاركة، فإذا بها تُستعادُ في صورةِ خصومةٍ جديدةٍ. وهكذا تحوّلَ الفضاءُ الرقميُّ إلى ساحةٍ لإحياءِ الانقساماتِ، لا لتجاوزِها.
وما يجعلُها أكثرَ إيلامًا أنَّ هذه الذكرياتِ لا تُستحضرُ لتبصيرِ الأجيالِ بمعنى التجربةِ، بل لتُبقيهم أسرى دائرةٍ مغلقةٍ، حيثُ الماضي يفرضُ نفسهُ على الحاضرِ ويعوقُ التقدّمَ نحو المستقبل.
شباب مايو
لم تكنْ تلك الروابطُ التي حملتْ اسمَ "شباب مايو" سوى استدعاءٍ لحقبةٍ نقضتْ نفسها من مؤسّسِها، ثم دخلتْ في مصالحةٍ لم تُنهِ الخلافات.
فهي أشبهُ بترنيماتٍ في جلسةِ سمرٍ، تُثيرُ الحنينَ وتستدعي الذكريات.
ذكرى حركة 19 يوليو 1971
تضجُّ المواقعُ بسيولةٍ في المعلومات، بعضها يُغالطُ ما جرى في تلك الأيام، حتى بدا وكأنَّ الضحيّةَ هو الجاني.
هذا التناقضُ يكشفُ أنَّ الجرحَ لم يُغلقْ، وأنَّ التاريخَ يُستدعى ليُعيدَ إنتاجَ العداوةِ في صورةٍ أكثرَ التباسًا، تُربكُ الوعيَ وتُشوّشُ الذاكرةَ الجمعيّة.
إنَّها كتابةٌ جديدةٌ للتاريخِ، لكنّها كتابةٌ بالدمِ والخصومةِ، لا بالحقيقةِ والإنصاف.
المصالحة الوطنية 1977
لا تُذكر المصالحة الوطنية بخير في المنصات الرقمية، بل تُستحضر كرمزٍ للهشاشة والتناقض. يُشار إلى انسحاب رموز الجبهة الوطنية منها على مراحل، وإلى مفارقة المرشحين الذين أبرزوا مواقع العمل التي نبذوها بالمصالحة.
غير أنّ النقاش سرعان ما يتجاوز هذه المصالحة ليمجّد ما سبقها في يوليو 1976، حيث خاضت مجموعات مدرَّبة في الخارج قتالًا شرسًا بعد تلقي تدريبٍ عسكريٍّ متقدّم لتكوين جيشٍ موازٍ، بدا وكأنّه البديل الحقيقي للدولة نفسها.
وهكذا تُستعاد المصالحة لا بوصفها تجربة وفاق، بل كاستراحةٍ قصيرة في مسار المواجهة، لتُثبت أنّ العداوة في السودان لا تُمحى بالمصالحات، بل تُعاد إنتاجها عبر جيوشٍ موازية وولاءاتٍ جديدة، وأنّ الماضي يفرض نفسه على الحاضر بقوة الدم والسلاح.
البكاء المرّ على جون قرنق
في فضاءِ التواصلِ الاجتماعيِّ، تحوّل الحديثُ عن رحيلِ جون قرنق إلى سباقٍ بين كياناتٍ حزبيّةٍ ونقابيّةٍ مستقلّةٍ عن الحركةِ الشعبيّةِ شمال، لتُثبتَ أنّها الأقربُ إليه، فتستدعي العبارةَ الشهيرة: "في الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدر".
تُنشَرُ الصورُ والشعاراتُ والمقاطعُ وكأنّها أوراقُ اعتمادٍ سياسيّة، لا مشاعرَ وجدانيّة، فيتحوّلُ الأمرُ إلى ساحةِ تنافسٍ على الشرعيّة.
وما يزيدُ وضوحًا أنّ هذه الكيانات، وهي تُعلنُ ولاءَها، تُظهر أنّ العناصرَ التي تُؤجّجُ الحربَ اليوم هي نفسها التي كانتْ بالأمسِ تُذكي نارَ الانقسامِ حولَ قرنق، وإنْ تبدّلتِ المواقعُ أو تغيّرتِ الشعاراتُ، فالذاكرةُ الجمعيّةُ واحدةٌ، والانقسامُ حاضرٌ لا يغيب.
وهكذا يُستدعى الماضي ليُربكَ الحاضرَ ويُبقيَ الصراعَ حيًّا.
كيانُ الأخوةِ الأعداء في الحركةِ الإسلاميّة
لم يكنْ هؤلاءِ خصوماً منذ البدايةِ، بل جمعهم مشروعٌ واحدٌ وصفٌّ مشتركٌ، غير أنَّ المواقفَ التي بدتْ متماسكةً في ظاهرِها تكشّفتْ لاحقًا لتُظهرَ هشاشتَها، فتحوّلَ الإخوةُ إلى أعداءٍ في الواقعِ الراهن.
الشرخُ الذي نشأ داخلَ النفوسِ لم يكنْ وليدَ اللحظةِ، بل نتيجةَ أمورٍ مخفيّةٍ شهدتْ تواثقًا على الوقوفِ معًا، ثم تبدّلتِ المواقفُ وتناقضتْ، فصار التوافقُ المؤقّتُ ذكرى تُستعادُ اليوم في فضاءِ التواصلِ الاجتماعيِّ كدليلٍ على أنّ الصفَّ الواحدَ قد تفتّتَ إلى تياراتٍ متناحرة.
تُنشَرُ المقاطعُ والوثائقُ لتعريةِ الخصومِ، فيتحوّلُ النقاشُ إلى محاكمةٍ مفتوحةٍ، حيثُ تُستعملُ لغةُ الدينِ والسياسةِ كسلاحٍ في معركةٍ لا تنتهي.
وبالنسبةِ لعضويّةِ الحركةِ الإسلاميّةِ، لم يكنِ الأمرُ مجرّدَ ادّعاءٍ بالشرعيّةِ، بل تخوينٌ متبادلٌ، وسبابٌ، وتجاوزاتٌ، وسجونٌ، وغيرها من صورِ الصراعِ التي خرجتْ إلى العلن. وهكذا تمخّضتْ وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ عن البحثِ فيما تجاوزهُ الزمنُ من وفاقٍ لن يتمَّ، لتُثبتَ أنّ الظاهرةَ متجذّرةٌ، وأنّها تُعيدُ إنتاجَ نفسها مهما تغيّرتِ الظروف.
وهكذا صار كيانُ الأخوةِ الأعداء شاهدًا على أنّ الصفَّ الواحدَ لا يضمنُ وحدةَ المواقفِ، وأنّ ما يُبنى على توافقٍ هشٍّ سرعان ما ينقلبُ إلى خصومةٍ داميةٍ، تُستعادُ في كلِّ جولةٍ من جولاتِ التاريخِ السودانيّ، لتُبقيَ العداوةَ حيّةً في النفوسِ، وتُربكَ الحاضرَ، وتُشوّشَ المستقبل.
حجرُ العثرةِ في عداوةِ حميدتي
في فضاءِ التواصلِ الاجتماعيِّ، صار اسمُ حميدتي حجرَ عثرةٍ تتعثّرُ عندهُ كلُّ محاولاتِ التفسيرِ والتأويل.
تُستعادُ مقاطعٌ قديمةٌ وتصريحاتٌ حديثةٌ، وتُنشَرُ صورٌ وموادّ تُظهرهُ كامتدادٍ لجريرةِ الماضي، وكأنّ المنصّاتُ الرقميّةُ تُعيدُ إنتاجَ العداوةِ في صورةٍ جديدة.
وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ هنا ليستْ مجرّدَ ناقلٍ للخبرِ، بل هي المسرحُ الذي تُعرضُ فيه الرواياتُ المتناقضةُ: البعضُ يراهُ قائدًا خرجَ من رحمِ الهامشِ ليُعيدَ صياغةَ المعادلةِ، وآخرون يعدّونهُ نسخةً مطوّرةً من منطقِ السلاحِ والقتالِ الذي عرفهُ السودانُ في محطّاتٍ سابقة.
وهكذا تكشفُ المنصّاتُ أنّ الحاضرَ ليس منفصلًا عن الماضي، بل أنّ الماضي يشاركُ في صناعةِ الحاضرِ بمختلفِ توجّهاتِه، وأنّ ما يُكتبُ اليوم عن حميدتي ليس إلا إعادةَ إنتاجٍ لذاتِ الانقساماتِ التي لم تُطوَ.
الواقعُ الرماديّ
في الوقتِ الحاليّ، تُظهرُ وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ واقعًا رماديًّا، تتداخلُ فيه الولاءاتُ وتتشابكُ فيه المواقف.
فالحركاتُ المسلّحةُ، وإنْ انخرطتْ في دولابِ الخدمةِ المدنيّةِ، ما زالتْ تحتفظُ بسلاحِها، لتضعَ قدمًا في الدولةِ وأخرى خارجَها.
وفي المقابلِ، جهاتٌ أخرى أبقتْ خلايا نائمةً مدرّبةً تنتظرُ لحظةَ الانفجارِ، بينما نشأ أمنٌ شعبيٌّ موازٍ للأمنِ العام، يضاعفُ من غموضِ الصورةِ ويُربكُ الساحةَ الأمنيّة.
وهكذا لم تعدِ المشكلةُ في ضعفِ التوافقِ وحدهُ، بل في ازدواجيّةِ المواقفِ التي تُبقي الدولةَ في حالةِ ارتباكٍ دائمٍ، وتجعلُ العداوةَ كامنةً كجمرٍ تحتَ الرمادِ، تنتظرُ نفخةَ ريحٍ لتشتعلَ من جديد.
الخاتمة
إنّها ظاهرةٌ تُعيدُنا إلى نقطةِ البدءِ، كأنّ التاريخَ يُصرُّ على أنْ يُحاكمَ روّادَهُ في كلِّ طورٍ من أطوارِه، حتى نبلغَ هذا الواقعَ الماثلَ اليوم.
وعلى امتدادِ حياتِنا شواهدٌ وتجاربُ موثّقةٌ، كثيرًا ما أربكتْنا عودةُ الأحزانِ بلا سببٍ جديدٍ، كأنّ الذاكرةَ الجمعيّةَ تُصرُّ على استدعاءِ الألمِ من تلقاءِ نفسها، لتُبقيَ الجرحَ مفتوحًا في كلِّ حين.
والخلاصةُ، بكلِّ أسفٍ، أنّ ذلك التاريخَ بشخوصِه قد استنفدَ نفسَهُ، ولم يعدْ صالحًا أنْ يُستبقى أو يُعادَ إنتاجُه، بل ينبغي أنْ تُطوى صفحاتُه، لنشرعَ في كتابةِ نسخةٍ جديدةٍ من حضارةِ بلدٍ أُطلقَ عليهِ اسمُ السودان.
نسخةٌ تُعيدُ للسودانَ معناَهُ الحقيقيَّ في ذاكرةِ أبنائِه، وتفتحُ البابَ لفجرٍ جديدٍ ينهضُ من تحتِ الركامِ، ويُعلنُ أنّ هذا الوطنَ قادرٌ على أنْ يبدأَ من جديدٍ، مهما أثقلتْهُ العداواتُ والأحزان.
الإسكندريّة ٨ أغسطس ٢٠٢٦م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك