من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قرطاج… حين تتعانق الحضارة مع الغناء

د.علا الكاشف
قرطاج… حين تتعانق الحضارة مع الغناء



في شمال تونس، وعلى مقربة من العاصمة، تقف قرطاج شاهدة على واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها البحر المتوسط. مدينةٌ لم تكن مجرد موقع أثري، وإنما كانت مركزًا سياسيًا وتجاريًا وثقافيًا ترك بصمته العميقة في تاريخ المنطقة.


كانت قرطاج القديمة قوة بحرية وتجارية كبرى، وامتدت علاقاتها عبر المتوسط، حتى أصبحت منافسًا رئيسيًا لروما. ومن بين أشهر الشخصيات المرتبطة بتاريخها القائد القرطاجي حنبعل، الذي ارتبط اسمه بالحروب البونية والصراع الكبير بين قرطاج وروما.


واليوم، لا تعيش قرطاج في كتب التاريخ فقط، بل ما زالت حاضرة في وجدان الإنسان العربي والعالمي من خلال آثارها ومسرحها التاريخي، الذي أصبح واحدًا من أشهر المسارح التي تستضيف الفنون والغناء.


من عظمة التاريخ إلى سحر الموسيقى


ومن أجمل صور استمرار الحياة الثقافية في قرطاج مهرجان قرطاج الدولي، الذي تحول على مدار عقود إلى علامة بارزة في المشهد الفني العربي والدولي.


وفي عام 2026 يحتفل المهرجان بدورته الستين، في مناسبة تؤكد المكانة التي اكتسبها خلال تاريخه الطويل. وقد شهدت دوراته حضور أسماء كبيرة من عالم الغناء والموسيقى العربية والعالمية، فأصبح المسرح القرطاجي مساحة تلتقي فيها الثقافات والأصوات المختلفة. (مهرجان قرطاج⁠)


ولعل ما يميز قرطاج أن الفنان لا يقف على مسرح عادي؛ بل يغني وسط ذاكرة عمرها آلاف السنين، فيلتقي صوت الإنسان المعاصر بحجارة شهدت صعود حضارات وإمبراطوريات متعاقبة.


وفي الدورة الستين لعام 2026، امتدت الفعاليات من 16 يوليو إلى 19 أغسطس، وشملت 20 سهرة فنية، من بينها 19 سهرة موسيقية وعرض مسرحي، وافتتحت الدورة بحفل للفنان صابر الرباعي، بينما تختتم فعالياتها بسهرة للفنانة ماجدة الرومي. (التلفزة التونسية⁠)


كما احتفى المهرجان بالموسيقى التونسية، ومن أبرز مظاهر ذلك سهرة «وطن بِحُب العاشقين»، التي جمعت عددًا من الفنانين التونسيين وقدمت أعمالًا من الأغنية التونسية والتراث الوطني. (مهرجان قرطاج⁠)


قرطاج… سياحة من نوع خاص


إن زيارة قرطاج لا تعني مشاهدة آثار قديمة فحسب، وإنما تعني الدخول في تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والفن والسياحة.


فالسائح الذي يصل إلى قرطاج يستطيع أن يتأمل آثار المدينة القديمة، ثم يجد نفسه في المساء أمام مسرح تاريخي يستقبل فنانًا عربيًا أو عالميًا. وهنا تظهر قوة السياحة الثقافية؛ إذ تتحول المواقع التاريخية من مجرد أماكن للزيارة إلى منصات حية للتواصل بين الشعوب.



وهذا النموذج يستحق الدراسة عربيًا؛ فالمواقع الأثرية الكبرى يمكن أن تكون جزءًا من منظومة ثقافية وسياحية متكاملة، تجمع بين التراث والفعاليات الفنية والمهرجانات الدولية، بما يزيد من جاذبية المقصد السياحي ويطيل مدة إقامة الزائر.


الغناء جسر بين الحضارات


لقد أثبت مهرجان قرطاج أن الغناء ليس مجرد ترفيه، بل يمكن أن يكون وسيلة للتقارب بين الشعوب.


فعلى خشبة واحدة يمكن أن تلتقي الأغنية التونسية بالموسيقى العربية، وتلتقي الفنون الإفريقية بالموسيقى العالمية، فيتحول المسرح إلى مساحة للحوار الثقافي.


وهذا ما يجعل قرطاج نموذجًا مهمًا في السياحة الثقافية الدولية؛ فالحضارة تمنح المكان قيمته، والفن يمنحه الحياة، والسياحة تنقل هذه التجربة إلى العالم.


قرطاج… ذاكرة لا تغيب


تبقى قرطاج واحدة من المدن التي تؤكد أن الحضارات العظيمة لا تختفي، وإنما تتغير طرق حضورها.


كانت قرطاج قديمًا مدينةً للتجارة والبحر والقوة، وأصبحت اليوم مدينةً للتراث والثقافة والفن، يجتمع فيها التاريخ مع الموسيقى، وتتحول آثار الماضي إلى مسرح للحاضر.


ومن هنا تأتي أهمية مهرجان قرطاج الدولي للغناء والموسيقى؛ فهو ليس مجرد مجموعة حفلات، وإنما امتداد معاصر لروح مدينة عرفت منذ آلاف السنين كيف تكون نقطة التقاء بين الشعوب والثقافات.


قرطاج ليست حجارةً تحكي الماضي فقط…

قرطاج صوتٌ ما زال يغني للحضارة، وللفن، وللتواصل بين الشعوب.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10555
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.