من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

إحياء "تراث القاهرة-طهران".. ضرورة لمستقبل حقوق الإنسان في العالم الإسلامي

القاهرة: خالد بيومي
إحياء



ترتبط  القاهرة وطهران، بمحطتين تأسيسيتين في تاريخ حقوق الإنسان الحديث، رغم أن العلاقة السياسية بين البلدين ظلت لعقود طويلة أسيرة القطيعة والتوتر. فبينما تستعد العاصمتان اليوم لطيّ صفحة الجفاء الدبلوماسي المستمر منذ عام 1979، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لهذا التقارب أن يستعيد أيضًا زخم اللحظتين التاريخيتين اللتين مثّلتهما المدينتان في مسار حقوق الإنسان؟

طهران 1968.. حين أعادت العاصمة الإيرانية صياغة حقوق الإنسان عالميًا

في فترة امتدت من 22 أبريل إلى 13 مايو 1968، استضافت طهران المؤتمر الدولي الأول لحقوق الإنسان، بمبادرة دفعت جامايكا باتجاهها منذ عام 1962 لجعل عام 1968 "سنة دولية لحقوق الإنسان" بعد عشرين عامًا على اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. خرج المؤتمر بوثيقة عُرفت بـ"إعلان طهران"، اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة رسميًا، وأكدت فيه الدول المشاركة الحاجة إلى استعراض التقدم المحرز منذ 1948، وربط قضايا حقوق الإنسان بمكافحة التمييز العنصري والفصل العنصري تحديدًا، إلى جانب فتح الباب أمام أسئلة لم تكن مطروحة وقت صياغة الإعلان العالمي، مثل العلاقة بين التقدم التكنولوجي وحقوق الإنسان، وهي قضية طرحها الوفد الجامايكي في المؤتمر بشكل استباقي لافت.

مثّل إعلان طهران، بحسب توثيق الأمم المتحدة، حلقة وصل بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا عام 1993، الذي أفضى لاحقًا إلى إنشاء منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان.

القاهرة 1990.. المنظور الإسلامي لحقوق الإنسان


بعد  مرور 22 عامًا، استضافت القاهرة في 5 أغسطس 1990 المؤتمر التاسع عشر لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، الذي اعتمد "إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام". قدّم الإعلان نفسه بوصفه رؤية إسلامية مكمّلة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مستندًا في صياغته إلى نصوص قرآنية وتعاليم نبوية، وأكد المساواة بين البشر في الكرامة الإنسانية بصرف النظر عن العرق أو اللون أو اللغة أو الجنس أو الدين.

لكن النسخة الأصلية من الإعلان جعلت الشريعة الإسلامية المرجعية الوحيدة والمقيّدة لكل الحقوق والحريات الواردة فيه، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات حقوقية غربية وإسلامية على حد سواء، اعتبرت أن هذا الشرط يضعف الطابع الكوني للحقوق ويهمّش قضايا مثل الحقوق الجندرية وحقوق غير المسلمين. واستجابة لهذه الانتقادات جزئيًا، أقرت منظمة التعاون الإسلامي عام 2020 نسخة منقّحة من الإعلان في نيامي بالنيجر، تخلّت فيها عن النص الصريح على الشريعة كمصدر وحيد، في مسعى لتقريب الوثيقة من المعايير الدولية دون التخلي عن مرجعيتها الحضارية.

من القطيعة إلى التقارب.. أين تتقاطع المسارات اليوم؟


قطعت مصر وإيران علاقاتهما الدبلوماسية عام 1979 عقب توقيع القاهرة معاهدة السلام مع إسرائيل واستضافتها الشاه محمد رضا بهلوي بعد سقوط نظامه، قبل أن تُستأنف العلاقات جزئيًا بعد أحد عشر عامًا على مستوى القائم بالأعمال دون تبادل سفراء. وخلال عام 2026، تسارعت وتيرة التقارب بشكل ملحوظ: تحدث دبلوماسيون إيرانيون عن اقتراب "الساعة الصفر" لتبادل السفراء واستعادة العلاقات الكاملة، فيما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال زيارة سابقة للقاهرة، أن العلاقة بين البلدين تتجاوز علاقة مصر بكثير من دول الجوار.

وتزامن ذلك مع تحركات مصرية دبلوماسية مكثفة في المنطقة، وسط تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران، ودور مصري في مساعي الوساطة لوقفها.

هذا التقارب السياسي، وإن كان لا يزال محل حذر وتكذيب رسمي جزئي من مصادر مصرية في بعض المحطات، يفتح نافذة نادرة لإعادة النظر في الإرث المشترك الذي مثّلته المدينتان في مسار حقوق الإنسان.

طهران التي احتضنت أول مؤتمر أممي شامل لمراجعة تطبيق الإعلان العالمي، والقاهرة التي صاغت أول محاولة جادة لتأصيل حقوق الإنسان من داخل المرجعية الإسلامية، تملكان معًا تراثًا فكريًا وقانونيًا يمكن أن يشكل أرضية لحوار إسلامي-إسلامي حول كيفية التوفيق بين الخصوصية الحضارية والمعايير الكونية لحقوق الإنسان.


لماذا يحتاج العالم الإسلامي إلى إحياء هذا الإرث الآن؟


يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديات معقدة في ملف حقوق الإنسان، مثل  حرية التعبير و حرية المعتقد إلى حقوق المرأة والأقليات الدينية، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية لسجلات عدد من الدول الإسلامية. وبدلًا من الاكتفاء بموقف دفاعي إزاء هذه الانتقادات، يرى مراقبون أن استعادة الحوار الفكري الذي بدأته وثيقتا طهران والقاهرة، بمنهجية نقدية تستوعب مراجعة القاهرة نفسها لإعلانها عام 2020، يمكن أن يوفر مسارًا ثالثًا بين الرفض المطلق للمعايير الدولية والتماهي الكامل معها دون سياق حضاري.

كما أن تجدد العلاقات المصرية الإيرانية، بما تحمله من ثقل دبلوماسي لأكبر دولتين سنية وشيعية في المنطقة، يمنح فرصة نادرة لإطلاق مبادرات مشتركة، أكاديمية وحقوقية، تعيد الاعتبار لهذا الإرث بعيدًا عن الاستقطاب المذهبي الذي طالما عرقل أي تعاون فكري جاد بين القاهرة وطهران على مدى العقود الماضية.


#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10557
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.