لويس أراغون وسر تمجيده المرأة
يرى الشاعر والروائي والناقد والصحفي الفرنسي لويس أراغون(1897- 1982) أن المرأة ليست تابعة للرجل، بل هي مساوية له فكريًا واجتماعيًا، ولا يكتمل إنسانيًا ولا أخلاقيًا ولا عاطفيًا إلا بحضور المرأة وشراكتها له ، إنه يمجد المرأة، ويقدمها في صورة شبه مثالية، فهي ليست للرجل الحبيبة والرفيقة فحسب، إنما هي مصدر أمله ومنقذته من العنف والأنانية والوحدة أيضًا.
اشتهر لويس أراغون بقوله:" مستقبل الإنسان هو المرأة" وهو قول يجمع بين الشعر والفلسفة ويعني بأن المجتمع لا يصلح حاله بسيطرة الرجل على المرأة، وإنما بعلاقة إنسانية بينهما، تستند إلى الحب والمساواة. ولدى المرأة عند أراغون القدرة عل جعل الإنسان ينتقل من العنف إلى الحب، ومن العزلة إلى المشاركة، ومن الحياة الخالية من المعنى إلى حياة خصبة مثمرة. وفي هذا دلالة على رمزية المرأة إلى الروح والحياة والمستقبل.
إن من يتعمق حياة هذا الشاعر لا يستبعد منه هذه النظرة إلى المرأة، التي تبناها طوال حياته، وعاش تجربتها. فقد انطلق من فكره الذي يتطلع إلى مجتمع يسوده العدل، وتزول منه كل أشكال التمييز، وهذا لا يتحقق إلا بإنصاف المرأة التي هي نصف المجتمع.
ثم إن أراغون عاش حياة متقلبة في طفولته، أثرت في شخصيته وفكره، ورؤيته للناس والعالم والحياة، فكان لها الأثر العميق في إحساسه بالهوية والانتساب والعلاقات العاطفية. لقد ولد لويس أراغون في باريس ولادة "غير شرعية"، أي خارج مؤسسة الزواج، وأخفيت عنه الحقيقة، ليس عدم شرعية ولادته فحسب بل حقيقة أمه وأبيه، وعاش مدة طويلة بين نساء في عائلته، والغريب أن أمه عرفته إلى المجتمع الفرنسي بأنه أخ لها وليس ابنًا، في حين رفض أبوه الاعتراف بأبوته له، ولم يعرف أراغون الحقيقة كاملة إلا قبيل ذهابه إلى الحرب العالمية الأولى، وهو في التاسعة عشرة من عمره.
لكن التحول العاطفي الكبير في حياته حدث عندما ظهرت في حياته تلك المرأة التي اسمها إلزا تريوليه، حتى إن قوله "إن المرأة مستقبل الرجل" وردت في قصيدة من ديوانه "مجنون إلزا" سنة 1963م.
التقى أراغون إلزا عام 1928 وتزوجها عام 1939، وكانت رفيقته في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، ودامت علاقتهما نحو اثنين وأربعين عامًا، أما زواجهما فدام نحو واحدًا وثلاثين عامًا، ولم يفارقها حتى وفاتها عام 1970م.
وقد أصبحت علاقة أراغون بإلزا من أشهر العلاقات في التاريخ الأدبي الفرنسي، حتى أحاطت بها صورة شبه أسطورية. لكن هذه العلاقة لا تماثل الأساطير الأدبية الكبرى مثل سيزيف وأوديب وفاوست؛ لأنها تجربة تاريخية حقيقية تحولت إلى رمز ثقافي للحب والرفقة والإبداع المشترك.
خص أراغون إلزا بديوانين من أشعاره، هما: "مجنون ألزا" و"عيون إلزا". وصدر "مجنون إلزا" سنة 1963، وهو عمل شعري وسردي استلهم أراغون فيه قصة قيس بن الملوح وليلى العامرية، لكنه أصاغها في أجواء سقوط غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر، ليلتقي الحب بالتاريخ، والثقافة العربية الإسلامية بالثقافة الأوروبية، وتصبح إلزا امرأة مستقبلية يُحلم بها عبر العصور.
أما "عيون إلزا"، فهو عنوان مجموعة شعرية صدرت سنة 1942، كما أنه عنوان إحدى قصائدها المشهورة لما فيها من معان عاطفية وسياسية؛ إذ كُتبت في زمن الاحتلال الألماني لفرنسا، ولذلك يختلط فيها حب إلزا بحب الوطن، وتتحول عينا الحبيبة إلى فضاء يرى فيه الشاعر فرنسا وهي منتصرة على محتليها.
في النهاية يحسن أن نورد أبياتًا من القصيدة؛ ليتبين القارئ بأن إلزا امرأة حقيقية ورمز شعري في الوقت نفسه؛ وعيناها ينعكس فيهما العالم بما فيه من يأس وأمل. والأبيات مقطعان من القصيدة من ترجمة عبد الوهاب البياتي وأحمد مرسي الواردة في كتابهما "أراغون شاعر المقاومة"1994م:
عيناك من شدة عمقهما رأيت فيهما وأنا أنحني لأشرب
كل الشموس تنعكس
كل اليائسين يلقون فيها بأنفسهم حتى الموت
عيناك من شدة عمقهما.. أني أضعت فيهما ذاكرتي
حدث ذات مساء جميل أن تهشم الكون
على صخور الشاطئ التي أشعلها القراصنة
أنا قد رأيت تتألق فوق البحر
عينا إلزا عينا الزا عينا الزا
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك