باكستان تُحكم قبضتها على القرن الإفريقي: من مدرعات "محافظ-5" في الخرطوم إلى تدريب الجيش الصومالي.. إستراتيجية جديدة بالقرب من أخطر ممرات العالم
تتوسع باكستان بخطى متسارعة في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر، عبر مسارين متوازيين يجمعان بين صفقات التسليح المباشرة مع الجيش السوداني وبرامج بناء القدرات العسكرية للقوات الصومالية، في تحرك يكرّس حضور إسلام آباد كشريك أمني صاعد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة للملاحة الدولية وأمن الطاقة.
مدرعات "محافظ-5".. الوجه الأبرز للتعاون العسكري مع الخرطوم
ظهرت مؤخراً في شوارع الخرطوم مدرعات باكستانية الصنع من طراز "محافظ-5" (Mohafiz-V)، خلال عروض عسكرية للجيش السوداني، في أول تأكيد بصري علني لوصول هذا السلاح إلى ساحة الحرب السودانية. وصلت هذه المدرعات في دفعات متتالية إلى القوات المسلحة السودانية، وتشكل الوجه الظاهر لترتيب دفاعي يُقدَّر بنحو 1.5 مليار دولار بين بورتسودان وإسلام آباد.
تُصنَّع هذه المدرعة من قبل شركتي "هيفي إندستريز تاكسيلا" و"مصانع الذخيرة الباكستانية" المملوكتين للدولة، وتُبنى على هيكل معدَّل من طراز تويوتا لاند كروزر LC79، وتتميز بدرجة حماية بالستية من فئة B6/B7، وثماني فتحات لإطلاق النار، وبرج دوّار بزاوية 360 درجة، وإطارات قادرة على العمل رغم الأعطاب تصل سرعتها القصوى إلى 120 كيلومتراً في الساعة، وتتسع لثمانية أفراد مجهزين بالكامل، إضافة إلى تجهيزات مثل تكييف الهواء وكشاف إضاءة ومعدات اتصال وحقيبة إسعافات أولية.
وبحسب تقارير متطابقة، لا تقتصر الصفقة على المدرعات وحدها، إذ تشمل طائرات مسيّرة من طراز "شاهبر-2" القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة بذخائر موجهة بالليزر، ومسيّرات استطلاع تكتيكي من طراز "يهيا-3"، ومسيّرات استطلاع إلكتروني من طراز MR-10K، إضافة إلى مسيّرات انتحارية من طراز "أبابيل-5" يمكن توظيفها في ضرب البنية التحتية للخصم.
والأبرز في الصفقة هو نقل منظومات دفاع جوي بعيدة المدى من طراز HQ-9 ومتوسطة المدى من طراز HQ-6، ما يمنح الجيش السوداني تفوقاً نوعياً في الأجواء لم يكن متاحاً له من قبل.
وتشير تقارير إلى أن التمويل يمر عبر أطراف إقليمية؛ إذ تحدثت مصادر استخباراتية هندية عن أن تمويل الصادرات الدفاعية عبر أطراف ثالثة إقليمية قد يتيح لباكستان الحصول على عوائد بالعملة الأجنبية ودعم صناعتها الدفاعية المحلية خارج نطاق آليات الرقابة المالية الدولية التقليدية،فيما تشير تقارير على نطاق واسع إلى أن السعودية هي من تموّل هذه الإمدادات التي عززت هجوم الجيش السوداني، رغم أن الموقف الرسمي للرياض يقوم على الوساطة.
ومن ناحية أخرى، ذكرت تقارير أن الصفقة التي تقدر بنحو 1.5 مليار دولار ربما تعثرت بعد سحب السعودية لدعمها المالي، مما يعكس تضارباً في المعلومات حول الوضع الحالي للصفقة يستدعي التعامل معه بحذر.
احتجاجات بلوشية.. وتحذيرات من انزلاق السودان لاستنزاف طويل الأمد
أثارت الصفقة موجة انتقادات من جماعات المعارضة الباكستانية، إذ اتهم "الكونغرس الشعبي البلوشي" الجيش الباكستاني بتزويد السودان بالسلاح بما يغذي الصراع هناك، ويموّل في الوقت نفسه عمليات إسلام آباد العسكرية ضد الأقليات العرقية البلوشية والبشتونية والسندية في الداخل.
من ناحية أخرى، حذّرت تحليلات متخصصة من أن تدفق هذا السلاح المتقدم قد يطيل أمد الحرب الأهلية السودانية ويكثّفها، وقد يدفع قوات الدعم السريع لاستقدام دعم مضاد من حلفائها يشمل أنظمة مضادة للمسيّرات ومنظومات دفاع جوي محمولة متطورة، ما قد يحوّل السودان إلى صراع متجمد متعدد السنوات على غرار سوريا وليبيا.
الصومال.. مسار مواز لبناء القدرات المؤسسية
بالتوازي مع الملف السوداني، وقّعت باكستان والصومال في 6 أغسطس 2026 مذكرة تفاهم دفاعية جديدة في إسلام آباد، وقّعها وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فيقي ونظيره الباكستاني خواجة محمد آصف، وتنص على التعاون في عمليات مكافحة الإرهاب وبرامج التدريب العسكري وتبادل الخبرات، إضافة إلى إطار عمل أوسع لبناء القدرات الدفاعية بين جيشي البلدين.
وشملت الزيارة اجتماعات رفيعة المستوى، حيث اتفق رئيس أركان الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير ووزير الدفاع الصومالي على تعميق العلاقات العسكرية بين الجيشين، وتوسيع بناء القدرات، وتعزيز التعاون البحري والجوي لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
كما عقد الوفد الصومالي محادثات مع قائد البحرية الباكستانية الأدميرال نافيد أشرف حول توسيع العلاقات الدفاعية الثنائية، وتحسين الأمن عبر المحيط الهندي، وبناء القدرة التشغيلية للبحرية وخفر السواحل الصوماليين.
ولم تقتصر المباحثات على الجانب البحري، إذ شدد قائد سلاح الجو الباكستاني المارشال الجوي ظهير أحمد بابر سيدهو على تطوير القدرات المحلية الباكستانية والبنية التدريبية المتقدمة وبرامج التبادل المهني، مؤكداً التزام السلاح الجوي بتعزيز التعاون المؤسسي مع القوات الجوية الصومالية.
صفقة مقاتلات "جيه إف-17" قيد التداول
يتردد الحديث عن صفقة أكبر بكثير من مذكرة التفاهم، إذ تحدثت تقارير عن مفاوضات بشأن نحو 24 مقاتلة من طراز "جيه إف-17 ثاندر" الجيل الثالث، بقيمة تقديرية تقارب 900 مليون دولار، لكنها تظل منفصلة عن مذكرة التفاهم الموقعة ولا ينبغي اعتبارها برنامج شراء معتمداً حتى الآن.
وتشير التحليلات إلى أن إتمام هذه الصفقة، إذا تحقق، سيجعلها أكبر عملية شراء دفاعي صومالي منذ عقود، وسيتطلب برامج تدريب موسعة للطيارين، وإعادة تأهيل للقواعد الجوية، ودمجاً للأسلحة، وبنية تحتية للصيانة، وتمويلاً يتجاوز بكثير ما هو معلن حالياً.
ويرى خبراء باكستانيون أن طبيعة الشراكة ستكون غير متكافئة؛ إذ من المرجح أن تقدم إسلام آباد تدريباً في مجالات مكافحة الإرهاب الاستخباراتية والعمليات الخاصة واللوجستيات والاتصالات وبناء المؤسسات العسكرية الصومالية، فيما تسهم مقديشو بمعرفتها الاستخباراتية المحلية وفهمها التشغيلي للواقع الأفريقي.
لكن التقديرات ذاتها تستبعد حتى الآن أي طابع للوجود الباكستاني الدائم؛ إذ لا تُخوّل المذكرة إنشاء قاعدة عسكرية باكستانية دائمة في الصومال، والأرجح في المدى القريب أن يقتصر التعاون على تدريب ضباط صوماليين داخل باكستان نفسها.
ما أهمية هذا التوسع؟
البحر الأحمر وباب المندب في قلب الحسابات
يكتسب هذا التمدد العسكري الباكستاني أهمية خاصة في ضوء الموقع الجغرافي الحساس للصومال، الذي يقع بجوار مداخل خليج عدن، وطرق الملاحة في المحيط الهندي، وممر باب المندب الذي يربط التجارة الآسيوية بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وتمنح هذه الشراكة إسلام آباد منصة تعاون دفاعي محتملة داخل منطقة بحرية متزايدة التنافس، فيما يحصل الصومال على مصدر إضافي للتدريب العسكري والمعرفة التقنية والمساعدة المؤسسية دون الاعتماد الكامل على شريك أمني خارجي واحد.
ويربط محللون هذا التحرك بحسابات باكستان الإستراتيجية الأوسع المرتبطة بممر باكستان-الصين الاقتصادي؛ إذ إن نجاح هذا الممر الحيوي لاقتصاد باكستان يعتمد على استقرار طرق الملاحة البحرية، وميناء جوادر يمثل قلب هذا الممر الذي يهدف لربط الصين غرباً بالبحر العربي، بينما يلقي عدم الاستقرار في المياه المجاورة بظلال من الشك على جدوى هذا الممر،لا سيما مع تصاعد هجمات الحوثيين في باب المندب وتأثيراتها الممتدة نحو بحر العرب ومضيق هرمز القريب من جوادر نفسه.
في السياق ذاته، تصنّف تحليلات إقليمية حديثة باكستان ضمن مجموعة القوى الإسلامية السنية الصاعدة في هذا المسرح؛ حيث توسعت عدة دول ذات أغلبية سنية في أشكال من التعاون بمنطقة البحر الأحمر، أبرزها تركيا وباكستان والسعودية، في مشهد يزداد فيه البحر الأحمر تحولاً إلى مسرح ردع إستراتيجي تتشكل فيه موازين النفوذ الجيوسياسي عبر الانتشار البحري وأنظمة المراقبة البحرية والبنية التحتية للموانئ.
ختاما
بين مدرعات "محافظ-5" التي باتت تجوب شوارع الخرطوم، ومذكرة التفاهم الدفاعية الموقعة حديثاً مع مقديشو، ترسم باكستان لنفسها موطئ قدم في القرن الإفريقي، مستفيدة من فراغ أمني إقليمي وتنافس خليجي-دولي متصاعد على النفوذ في ممرات البحر الأحمر.
لكن حجم هذا النفوذ الفعلي، وقدرته على الصمود أمام تعقيدات التمويل والانقسامات الداخلية في كل من السودان والصومال، لا يزال مرهونا بمسار التنفيذ الفعلي للاتفاقيات المعلنة أكثر من كونهما نتاجاً لتصريحات وزيارات رسمية متتالية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك