من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

(الفأس ينسى ولكن الشجرة تتذكر) مقولة تتكسر على طَود الأخوة والميثاق الرحيمي في فلسفة التحفة الرمزية السردية للمبدعة الزهراء محمد

أحمد بيضون
(الفأس ينسى ولكن الشجرة تتذكر) مقولة تتكسر على طَود الأخوة والميثاق الرحيمي في فلسفة التحفة الرمزية السردية للمبدعة الزهراء محمد


تمفصلت القصة بين سارد عليم يسرد مأساة البطلة ومتكلم يكمن في الراوية البطلة اللاهثة وراء التطهر من الذنب وسارد ضمني يكمن في الشجرة التي ترمز إلى كيان العائلة الراسخ الأصيل الذي يصل أغصانه مهما كثرت النُدب… منذ عتبة الاستهلالية المثخنة بورقة تتهشم تحت عجلات سيارة تتمشهد أمام لحاظ الراوية؛ تنعي لواعج الفقد وتجاعيد خريف طال أمده لذكرى مشؤَومة محفورة في داخلها ولا تستطيع أن تنساها.. تلك الصورة الذهنية رسمها القاص بإتقان وأعمل مهارات نفسحركية تخترق حاجز الزمن وترى ثائرة الأفكار المستعرة العاجزة عن تصحيح الأمور وجمع الشمل على إثر ذنب تضمره البطلة اقترفته ضد أخيها الحنون، يتبعها soliloquy مناجاة تحمل عتابا لاخيها تسرُّه وتخاطبه عبر رسائل مفادها ( آه يا أخي الحبيب كم اشتقت إليك/ جدران الذنب وسياط الندم؟/ دفعتك برفق ولم أتخيل سقوطك المفزع) يبدو زاجر الضمير وأشواك جرم القطيعة تلوكها دونما هوادة…وهي تتذكر نظرات أخيها المعاتبة الذاهلة تتدلى كخيوط العنكبوت التي تكاد تخنقها حتى الموت..تتشكلُ ندبات عميقة لا تعرف كيف سيُكفِّر عنها تلك الشائنة وفظاعة ومرارة التخلي.. أما هي تنتظر احتراقاََ  صفحَه وعفوه، ينبري مشهد سيارة تقلها إليه، تتبدَّر مسرحة المكان المعتق بمسحة من الرهاب والمهابة للحظة لقاء تأخر كثيراََ.. بدَت البيوت تلوح مرتفعة كشواهقٍ تصاحبُ تعاظم نبضات قلبها لتوقها أن تلتق بأخيها السند الذي تغافلت عنه بل أسرفت في إلحاق الأذى به، يخترق المشهد شجرة على عتبة موئل المنشود وتظهرُ وارفة الأغصان وكأنها تمدها للترحاب.. تتسابق انفاسُ الزائرة أمام  صراع محتوم.. ومن ثمَّ تخوج فأساََ وتتوالى الضربات في محاولة بائسة لتسريع اللقاء والعِناق.. على الرغم من محاولات الغرباء منعها عن التمادي فيما تفعله.. لكنها لم تبُح بأنها تحاول التقاط صوت الغائب الذي تريده وترتجيه ليمنحها حياة جديدة مرة أخرى.. يتبدَّى رمزية ((طعن الشجرة)) في قلبها لتنزف للتعبير عن فداحة (الندبة) التي تصمها وعجزها عن مداواتها ورتق الجراحات وكأن الفأس ينكئ النزيف بشكل سافر وبلا أوبة.. أما عن النسوة يتهافتن بهمهمات إيماءة  لحديث المدينة المعتاد في كل مجتمع وسيل الإشاعات الذي يخترق جدران الخصوصية،  يعقبه وتيرة صمت حذر وخطوات تسير نحوها ثمَّ ربتة على كتفها من مجهول.. هكذا - جاء الخلاص والتطهير والذوبان لجمود كوني أزاح كل العقبات وأعاد صلة الدم إلى مجراها.. فابتلعت الشجرة نزيفها وانتهت الطعنات.. وتوارت أصوات الدُّخلاء الخجلى، لنصل إلى عتبة نهاية سعيدة تخبرنا بأن أوشاج الأخوة ثابتة الجذور بل أنها الشجرة الوحيدة التي تعود اغصانها مزهرة وفيؤها ظليل دائما ، لتقف البطلة ممسكةََ كف حبيبها وتتمتم:  (الآن صالحت الخريف) أي أن الخريف وان طال مع رفيقها سيظل ربيعاََ يانعاََ يرتعان فيه مهما أتت الحرب اوازارها وفرقتهمها معاول القدر وكيد الكائدين. 


هنيئا لنا تلك القصة الانسانية البديعة الماتعة في لغتها وتبيانها ورمزيتها وفلسفتها وتكثيفها، وما وراء السطور كان أعظم. 





رؤية فلسفية نفسية بقلم/ أحمد فاروق بيضون 



النص: 

( ندبة)


تهشُّم أوراق الشجر تحت عجلات السيارة أعادها إلى ذلك الخريف البعيد. حاولت التلهي بالقراءة كي تطرد تلك الذكرى المشؤومة، لكنها فشلت. تابعت الكلمات والسطور بلا وعي، وطافت عيونها بين الصفحات، لكنها لم تترجم أي معنى. ضجة الطريق لم تفلح في إخماد الأفكار المستعرة في عقلها.


وجهه يلاحقها، وظله يلتصق بزجاج النافذة. تطبق الكتاب، وتتشنج شفتها، وتتمتم:


– آه يا أخي الحبيب! كم اشتقت إليك!


ألم تشفع لك اعتذاراتي وأنّات الفراق كي تصفحَ عني؟! ألا تكفي تلك السنوات التي عشتها محتجزة بين جدران الذنب وسياط الندم؟


كم كنت فتاة حمقاء! أردت فقط مشاكستك، ودفعتك برفق. لم أتخيل سقوطك المفزع، وتحطُّم روحك مع عظام وجهك. نظرتك الذاهلة ما زالت تطاردني، تحملق في كل ليلة، وتتدلى كخيوط عنكبوت، تطبق على قلبي لأختنق وأموت وأنا على قيد الحياة.


تلك الندبات  التي حملتها معك طوال سنوات، لا أعلم كيف أكفِّر عنها.


كانت السيارة تتأرجح فوق الطريق الملتوي، تحملها لوجهتها. عندما اقتربت من بلدتها، تساءلت:


– تُرى، هل ستغفر تلك المرة، أم أعود خائبة كالعادة؟!


لاحت لها البيوت، حينها ارتفعت دقات قلبها كدوي طبول الحرب، يحدوها الأمل في لقاء صفح بلا خيبة جديدة.


توقفت السيارة بجوار شجرة عملاقة، تفرد أغصانها كأيادٍ ممتدة ترحب بالضيوف. حينها جذبت حقيبتها بيد مرتعشة، وقفزت إلى جانب الطريق. اقتربت من الشجرة تسترجع كل ما كان، ثم أخرجت فأسًا، وضربت جذعها بقسوة. توالت الضربات بلا توقف. تجمع بعض المارة، وضرباتها متلاحقة، وحبات العرق تكسو وجهها، وتتسابق أنفاسها في صراع محموم. تلفتت حولها تفتش عنه، ولم تجده. أكملت بلا رحمة. حاول البعض منعها، لكنهم فشلوا. أذنها تنصت، تحاول التقاط صوته، ثم ترتد يائسة، فتطعن قلب الشجرة، فتنزف، تشاركها حزنها. الهمهمات تزداد حولها، والنسوة يقصصن حكايتها معه. ثم توقفت الحوارات فجأة، وطوَّق المشهد صمتٌ حذر. خطوات تسحق بقايا عالقة مذ خانته الأغصان هنا. اقترب منها، وربت بكفه على كتفها. ابتلعت الشجرة نزيفها، وانتهت الطعنات. ومن دون أن تنظر خلفها، اختلست ابتسامة خجولة تتوارى من الحضور، أمسكت كفه، وتمتمت:


الآن صالحت الخريف...


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10574
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.