رحلة الصومال نحو التعافي المالي: كيف تخلصت مقديشو من عبء الديون الخارجية؟
في واحدة من أبرز قصص التعافي الاقتصادي بالقارة الأفريقية خلال العقد الأخير، نجحت الصومال في إعادة رسم مسارها المالي بعد عقود من العزلة عن النظام المالي الدولي، لتنتقل من دولة مثقلة بديون خانقة إلى نموذج يُستشهد به في أروقة المؤسسات الدولية.
من الانهيار إلى الإصلاح
خرجت الصومال من الحرب الأهلية وسنوات الانقسام السياسي محمّلة بديون خارجية تجاوزت 5 مليارات دولار، ظلت عائقًا أمام حصولها على أي تمويل جديد من المؤسسات المالية الدولية لعقدين متتاليين. لكن الحكومة الفيدرالية، وبقيادة وزارة المالية، دخلت منذ منتصف العقد الماضي في برنامج إصلاحات اقتصادية صارم ضمن "المبادرة المعزّزة للبلدان الفقيرة المثقلة بالديون" (HIPC) التي يشرف عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
نقطة التحول: ديسمبر 2023
في الثالث عشر من ديسمبر 2023، وافق المجلسان التنفيذيان لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي على وصول الصومال إلى "نقطة الإكمال" ضمن مبادرة HIPC، في خطوة وصفتها المؤسستان بأنها ستفتح الباب أمام موارد مالية إضافية لدعم الاقتصاد الصومالي وخفض الفقر وخلق فرص العمل.
وبموجب هذا الإنجاز، حصلت الصومال على إعفاء ديون بقيمة 4.5 مليار دولار من عدة أطراف، من بينها المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي، إضافة إلى دائنين ثنائيين وتجاريين معظمهم أعضاء في نادي باريس. وكانت النتيجة المباشرة انخفاض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 64% في عام 2018 إلى أقل من 6% بنهاية 2023.
موجة إعفاءات متلاحقة
لم تتوقف مساعي التخفيف عند هذا الحد، بل توالت خطوات الدعم الدولي:
مارس 2024: أعلن نادي باريس، وهو تجمع الدول الدائنة، إسقاط 99% من ديون الصومال المستحقة له، بما يقارب 2 مليار دولار.
يوليو 2023: وقّعت روسيا اتفاقيتين مع الصومال لتسوية ديون تفوق 690 مليون دولار، شملت إسقاط الجزء الأكبر منها.
نوفمبر 2024: أعلنت الولايات المتحدة إسقاط 1.14 مليار دولار من ديون الصومال، في إطار حزمة دعم أوسع بلغت 1.2 مليار دولار لهذا العام المالي، ضمن جهود دعم الاستقرار الاقتصادي والتنموي والأمني والإنساني في البلاد.
هذه الخطوات مجتمعة أعادت فتح الباب أمام الصومال للاقتراض من البنك الدولي لأول مرة منذ ثلاثة عقود، بعد أن سددت الحكومة متأخراتها المستحقة لمؤسسات التمويل الدولية.
تكريم دولي لوزير المالية
في مايو 2025، حصد وزير المالية الصومالي بيحي إيمان عغي جائزة "أفضل وزير مالية في أفريقيا لعام 2025"، في تصويت إلكتروني نظمته مجلة "African Leadership Magazine"، متفوقًا على منافسين من السنغال وجنوب السودان ومصر وزيمبابوي. ويأتي هذا التكريم اعترافًا بالدور الذي لعبته وزارة المالية في قيادة ملف الإصلاحات التي مكّنت البلاد من إتمام مسار HIPC وتحقيق الإعفاءات المتتالية.
تحديات مازالت قائمة
رغم هذه الإنجازات، يحذّر مراقبون من أن التعافي المالي وحده لا يكفي؛ إذ لا يزال أكثر من ثلثي سكان الصومال يعيشون تحت خط الفقر بأقل من 2.15 دولار يوميًا وفق تقارير البنك الدولي، فيما تعتمد الحكومة بشكل كبير على الإيرادات الجمركية من ميناء ومطار مقديشو، مع محدودية قدرتها على جباية الإيرادات في مناطق واسعة من البلاد لا تزال خارج سيطرتها الكاملة. كما توقّع صندوق النقد الدولي نموًا اقتصاديًا بنحو 4% لعامي 2024 و2025، مدفوعًا بانتعاش القطاعات الإنتاجية التقليدية كالثروة الحيوانية والزراعة والصيد، إلى جانب تحويلات المغتربين.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك