الوَصْفَةُ المَنْقُوصَةُ فِي حُكْمِ السُّودَانِ
مُقَدِّمَةٌ
لَا يَعِيشُ السُّودَانُ أَزْمَةً عَابِرَةً، بَلْ يَغُوصُ فِي مَأْسَاةٍ مُتَجَدِّدَةٍ تُدَارُ بِبُرُودٍ مُرِيبٍ، حَيْثُ يُسْتَبَاحُ الْقَانُونُ، وَتُخْتَزَلُ السِّيَاسَةُ فِي صَفَقَاتٍ مَشْبُوهَةٍ، وَيُتْرَكُ الشَّعْبُ فِي الْعَرَاءِ يَتَجَرَّعُ مَرَارَةَ الْفَوْضَى.
العَنَاصِرُ الإِيجَابِيَّةُ
لَوْ أَنَّ الْمِهْنَةَ بَقِيَتْ فِي مِحْرَابِهَا، لَكَانَ الْقَضَاءُ مُسْتَقِلًّا، وَالْعَدَالَةُ مَصُونَةً، وَالْقَدَاسَةُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ مَحْفُوظَةً.
وَلَكِنَّ إِدْخَالَ السِّيَاسَةِ فِي مِحْرَابِ الْقَانُونِ جَعَلَ الْمِهْنَةَ تَفْقِدُ هَيْبَتَهَا، وَأَفْقَدَ الْمُجْتَمَعَ ثِقَتَهُ فِي الْعَدَالَةِ، فَصَارَ الْقَانُونُ أَدَاةً فِي يَدِ السُّلْطَةِ لَا سَيْفًا يَحْمِي الشَّعْبَ.
أَمْثِلَةٌ كَارِثِيَّةٌ
السِّيَاسَةُ عِنْدَنَا تُدَارُ فِي بُيُوتِ الْعَزَاءِ لَا فِي قَاعَاتِ الْبَرْلَمَانِ.
هُنَاكَ يَجْتَمِعُ الْخُصُومُ، يَتَبَادَلُونَ الطَّرَائِفَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بِقَرَارَاتٍ مَصِيرِيَّةٍ، وَكَأَنَّ الْوَطَنَ لُعْبَةٌ تُدَارُ عَلَى أَطْرَافِ الدُّمُوعِ.
بَلَدٌ يُدَارُ مِنْ مَجَالِسِ الْحُزْنِ، فَيَتَحَوَّلُ الْحُزْنُ إِلَى مَصْنَعٍ لِلسُّلْطَةِ، وَالسُّلْطَةُ إِلَى جِنَازَةٍ دَائِمَةٍ.
• فِي الْعَزَاءِ تُعْقَدُ الصَّفَقَاتُ.
• فِي الْعَزَاءِ تُرْسَمُ مَلَامِحُ الْحُكُومَاتِ.
• فِي الْعَزَاءِ يُخْتَزَلُ الْوَطَنُ فِي لَحْظَةِ بُكَاءٍ، ثُمَّ يُبَاعُ فِي لَحْظَةِ ضَحِكٍ.
حِكَايَةُ السَّبْعِ سَنَوَاتٍ الْعِجَافِ
مُنْذُ 2019 حَتَّى 2026، دَوْرَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْحُكْمِ، ظَاهِرُهَا أَفْرَاحٌ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، وَبَاطِنُهَا أَحْزَانٌ مُضَاعَفَةٌ.
مَجْلِسُ السِّيَادَةِ يُوَزِّعُ الْعَفْوَ كَأَنَّهُ تَاجِرٌ فِي سُوقٍ مَفْتُوحٍ:
• عَفْوٌ عَنِ الدَّعْمِ السَّرِيعِ.
• عَفْوٌ عَنِ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّغْيِيرِ.
• عَفْوٌ عَنْ كُلِّ مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ.
تَحْلِيلُ الْعَفْوِ
مُنْذُ سُقُوطِ الإِنْقَاذِ، وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَالْقَضَاءُ صَامِتٌ، وَالأَحْزَابُ رَاضِيَةٌ، وَالْعَسْكَرُ لَمْ يُغَادِرُوا قَطْ، بَلْ تَحَكَّمُوا فِي مَصِيرِ الْبِلَادِ كَمَا يَتَحَكَّمُ السَّجَّانُ فِي أَبْوَابِ الزَّنْزَانَةِ.
الْعَسْكَرُ لَمْ يَتْرُكُوا الْوَثِيقَةَ الدُّسْتُورِيَّةَ، بَلْ مَزَّقُوهَا وَأَعَادُوا صِيَاغَتَهَا بِمَا يَخْدِمُ قَبْضَتَهُمْ.
الْمَدَنِيُّونَ حِينَ حَاوَلُوا الإِصْلَاحَ جُرِّمُوا، وَكَأَنَّ الإِصْلَاحَ جَرِيمَةٌ.
الْحَرْبُ الَّتِي نَشَبَتْ بَيْنَ طَرَفَيِ السُّلْطَةِ لَمْ تَكُنْ سِوَى صِرَاعٍ عَلَى الْغَنِيمَةِ، لَا عَلَى الْوَطَنِ.
وَالآنَ يَعُودُ الْمَشْهَدُ ذَاتُهُ: الْعَسْكَرُ يَفْتَحُونَ الْبَابَ لِلدَّعْمِ السَّرِيعِ، وَالْمَدَنِيُّونَ يَعُودُونَ تَحْتَ إِمْرَةِ الْبَنَادِقِ. إِنَّهَا وَصْفَةٌ لِإِعَادَةِ إِنْتَاجِ الْكَارِثَةِ، لَا أَكْثَرَ.
خَاتِمَةُ الْمَطَافِ
مَنْ الْمُتَحَكِّمُ فِي خُيُوطِ اللُّعْبَةِ؟
التَّارِيخُ يُجِيبُ بِصَرَامَةٍ: مُنْذُ ثَوْرَةِ الْمَهْدِيِّ الَّتِي قَامَتْ عَلَى السَّيْفِ وَالدَّمِ، وَمُرُورًا بِحُكْمِ أَحْفَادِهِ وَصِهْرِهِ الإِسْلَامِيِّ الَّذِي تَرَكَ الْقَانُونَ لِيَغْرَقَ فِي بَحْرِ السِّيَاسَةِ، وَوُصُولًا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، حَيْثُ بَذْرَةُ آلِ الْمَهْدِي مَا زَالَتْ تَنْتَظِرُ الإِنْبَاتَ فِي تُرْبَةِ السُّودَانِ.
وَلَكِنْ أَيُّ إِنْبَاتٍ هَذَا؟ إِنْبَاتٌ فِي أَرْضٍ مَحْرُوقَةٍ، تُسْقَى بِدِمَاءِ الشَّعْبِ، وَتُخَصَّبُ بِوُعُودٍ كَاذِبَةٍ.
إِنَّهُ إِنْبَاتٌ يَشْبَهُ شَجَرَةً مَسْمُومَةً، تُزْهِرُ لِتُخْدِرَ الْعُيُونَ، وَلَكِنَّهَا تُسْقِطُ ثِمَارًا مُرَّةً تُزِيدُ الْجُوعَ وَالْخَوْفَ.
فَالسُّودَانُ، فِي كُلِّ دَوْرَةٍ سِيَاسِيَّةٍ، يَجِدُ نَفْسَهُ فِي نَفَقٍ مُظْلِمٍ، يَتَكَرَّرُ مَشْهَدُهُ كَأَنَّهُ مَسْرَحِيَّةٌ تُعَادُ بِلا نِهَايَةٍ: عَسْكَرٌ يُمْسِكُونَ بِالزِّمَامِ، مَدَنِيُّونَ يُجَرَّدُونَ مِنْ أَدَوَاتِهِمْ، وَشَعْبٌ يُتْرَكُ لِيُصَفِّقَ لِوُعُودٍ لَا تَتَحَقَّقُ.
إِنَّهَا وَصْفَةٌ نَاقِصَةٌ، لَا تُشْبِعُ جَائِعًا، وَلَا تُدَاوِي مَرِيضًا، بَلْ تُعِيدُ إِنْتَاجَ الْوَهْمِ وَتُرْبِكُ حَيَاةَ السُّودَانِيِّينَ، لِتَبْقَى الْبِلَادُ فِي دَائِرَةٍ خَبِيثَةٍ، يَتَجَدَّدُ فِيهَا الْفَشَلُ كُلَّمَا أُعْلِنَتْ بَدَايَةٌ جَدِيدَةٌ.
الإِسْكَنْدَرِيَّة 11 أُغُسْطُس 2026م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك