رؤية ذائقية لقصة " ندبة" للأديبة الزهراء محمد سعيد
النص لا يقص فقط حكاية أخت أخطأت في حق أخيها، بل يتخذ من هذه العلاقة مدخلًا للتأمل في أثر الفعل الإنساني حين يسبق الوعي، فالأخ ليس القضية بقدر ما هو التجسيد الأقرب للحظة غيرت مصير شخصين، ليُصبح النص مُساءلة فلسفية لمسؤولية الإنسان عن أفعاله، والسلطة التي يمثلها الضمير حين يعجز الزمن عن محو أثر الخطأ.
ويكشف البناء الدائري عن هذا المعنى منذ الاستهلال حتى الخاتمة، ف" تهشم أوراق الشجر تحت عجلات السيارة " ليس وصفًا للطريق، بل استدعاء لذاكرة تُسحق كلما حاولت البطلة العبور فوقها، فالسيارة هنا ليست وسيلة انتقال، وإنما لحركة الزمن الذي يمضي للأمام، بينما تعود البطلة قسرًا للخلف، في مفارقة تؤكد أن الزمن النفسي لا يخضع لقوانين الزمن الواقعي، ومن ثم تأتي الجملة الاخيرة" الآن صالحت الخريف" لتُعلن المُصالحة مع اللحظة التي توقف عندها الزمن الداخلي، لا مع فصل من فصول السنة، ومن هنا يكتسب العنوان دلالته ، الندبة ليست الجُرح ، بل الأثر الذي يبقى بعد انقضاء الألم.
وتؤدي الرموز دورها في تعميق هذه الرؤية، فالخريف ليس فصل، بل زمن السقوط الأول ، والشجرة ليست مكانًا شهد الحدث، وإنما ذاكرة متجسدة حملت أثره، لذلك لم يكن توجيه الفأس إلى جذعها لقطعها ، بل لاجتثاث الذاكرة ذاتها، ويعمق النص هذا الرمز عبر شبكة من الألوان الخفية التي لا يُصرح بها ، وإنما يستدعيها في وعى القارئ، فالأخضر يحضر في الشجرة بوصفها رمزًا للحياة، والبني يفرض نفسه في أوراق الخريف والجذع والأرض ، فيصبح لون الزمن والذاكرة قاتم، بينما يستحضر فعل " تنزف" اللون الأحمر في مسار يوازي انتقال الحياة إلى الذبول ثم إلى الألم.

ومن أجمل صور النص تشخيص الشجرة بوصفها كائنًا حيًا يشارك الإنسان مأساته ؛ فهى لا تفرز عصارتها ، بل " تنزف" فتُصبح ضحية لا شاهدًا، ثم تبلغ الصورة ذروتها في قولها " ابتلعت الشجرة نزيفها" ، إذ يجمع فعل الابتلاع بين حقيقته ومجازه، فالشجرة تمتص الماء من جذورها ثم إلى الجذع، لكنها هنا تمتص الألم أيضًا ، لتبدو معادلًا موضوعيًا للبطلة التي ابتلعت وجعها سنوات طويلة ، كأن النص يقرر أن بعض الجراح لا تختفي، وإنما تستقر في الأعماق، فتصبح ندبة.
ولا يُدين النص المشاكسة، بقدر ما يُدين وهم الإنسان بأن الأفعال العابرة لا تُخلف أثارًا عميقة، فكم من فعل خالٍ من سوء النية غير مصيرًا كاملًا، ومن هنا تتجاوز القصة خصوصية علاقة الأخوة، لتُصبح تأملًا في هشاشة العلاقات الإنسانية حين يسبق الفعل إدراك عواقبه.
ويحضر المُجتمع بوصفه شاهدًا أكثر منه فاعلًا، فالوجوه تتجمع والهمهمات تتكاثر ، والنسوة يروين الحكاية، لكن الوعى الجمعي يكتفي بالمشاهدة وتداول الرواية، بينما يعجز عن ترميم الصدع. وما أن يحضر الأخ حتى يصمت الجميع ، وكأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج الجماعة ، بل إلى موقف إنساني يُعيد ترميم ما هدمه الزمن.
لكن الانتقال من الندم إلى ضرب الشجرة يحتاج إلى تمهيد رمزي اكثر إحكامًا حتى لا يبدو الفعل مفاجئًا .
الصراع الحقيقي في النص لا يدور بين البطلة وأخيها، وإنما بينها وبين ضميرها، فالأخ يغيب معظم السرد، بينما يحتل الشعور بالذنب مساحة النص كلها، لذلك تأتي النهاية مقتصدة إلى أقصى حد ، فلا يعلن السارد الصفح ولا يصف مشهدًا عاطفيًا ، بل يكتفي بلمسة على الكتف ، وإمساك بالكف ، ثم يترك الجملة الأخيرة تختزل الرحلة كلها، " الآن صالحت الخريف" وهى مُصالحة ليست مع الآخر وحده ، بل مع الذات التي ظلت نحمل ندبتها في صمت.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك