من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مطار المليز.. ملحمة من ملاحم الضربة الجوية في حرب أكتوبر واستشهاد عاطف السادات

د.علا الكاشف
مطار المليز.. ملحمة من ملاحم الضربة الجوية في حرب أكتوبر واستشهاد عاطف السادات


في السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن العبور مجرد عبور لقناة السويس، وإنما كان عبورًا من الهزيمة إلى استرداد الكرامة والأرض. وفي قلب هذه الملحمة التاريخية جاءت الضربة الجوية المصرية لتفتح الطريق أمام القوات المسلحة وتربك حسابات العدو الإسرائيلي منذ اللحظات الأولى للحرب.


عند الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت أكثر من مائتي طائرة مقاتلة مصرية في توقيت متزامن، على ارتفاعات منخفضة، متجهة إلى أهداف إسرائيلية في سيناء. وكان مطار المليز الحربي، المعروف أيضًا باسم بير الجفجافة، أحد الأهداف المهمة للضربة، لما يمثله من قيمة عسكرية وموقع استراتيجي في عمق سيناء. (بني سويف⁠)


كانت مهمة القوات الجوية المصرية واضحة: ضرب المطارات ومراكز القيادة والرادار والإعاقة والدفاع الجوي، وشل قدرة القوات الإسرائيلية على الرد السريع، بما يتيح للقوات البرية عبور قناة السويس وبدء معركة تحرير الأرض.


وقد حققت الضربة الجوية نجاحًا كبيرًا؛ فتم استهداف ممرات رئيسية وفرعية في مطارات المليز وبير تمادا، إلى جانب مواقع للدفاع الجوي ومراكز القيادة والإعاقة والرادار. وبلغت نسبة نجاح الضربة، وفق شهادات عدد من قادة وأبطال القوات الجوية، نحو 90%. (المصري اليوم⁠)


عاطف السادات.. شقيق الرئيس الذي اختار الشهادة


ومن أكثر صفحات هذه الضربة تأثيرًا قصة الطيار الشهيد عاطف السادات، الشقيق الأصغر للرئيس محمد أنور السادات.


كان عاطف طيارًا بالقوات الجوية المصرية، وقد أصر على المشاركة في الضربة الأولى رغم أنه كان مدرجًا في البداية ضمن الموجة الثانية. وبناءً على إصراره وحماسه للمشاركة في بداية المعركة، أصبح ضمن الطلعة الأولى التي استهدفت عددًا من المطارات الإسرائيلية في سيناء، ومن بينها مطار المليز. (Copts United⁠)


وفي تلك اللحظات لم يكن عاطف يتعامل مع المعركة باعتباره شقيق رئيس الجمهورية، وإنما باعتباره ضابطًا مصريًا يحمل واجبه تجاه وطنه. انطلق مع زملائه لتنفيذ المهمة، وعندما وصلت الطائرات المصرية إلى أهدافها بدأت واحدة من أعظم عمليات القوات الجوية المصرية في تاريخها.


لكن النصر كان له ثمن غالٍ.


فخلال تنفيذ الضربة الجوية استشهد عاطف السادات، ليصبح استشهاده أحد أكثر مشاهد حرب أكتوبر تأثيرًا في الذاكرة المصرية. وقد وصل خبر استشهاده إلى الرئيس السادات أثناء وجوده في غرفة العمليات، وكان عاطف بالنسبة إليه شقيقًا عزيزًا وصديقًا مقربًا. (بوابة اخبار اليوم⁠)


وهكذا امتزجت في السادس من أكتوبر مشاعر الفخر والألم؛ فبينما كانت الطائرات المصرية تضرب أهداف العدو وتفتح الطريق أمام العبور، كانت مصر تفقد واحدًا من أبنائها الأبطال.


المليز.. هدف عسكري في قلب سيناء


لم يكن مطار المليز هدفًا عابرًا في خطة الحرب؛ فقد كان من المطارات المهمة التي استخدمتها القوات الإسرائيلية في سيناء، وكان موقعه في عمق شبه الجزيرة يجعله ذا أهمية عسكرية كبيرة.


ولهذا جاء استهدافه ضمن الخطة الجوية المصرية لضرب قدرة العدو على استخدام المطارات ومراكز القيادة والدفاع الجوي في الساعات الأولى للحرب. وقد نجحت القوات الجوية في إحداث تأثير بالغ في المطارات والمنشآت المستهدفة، الأمر الذي ساعد على تحقيق المفاجأة الاستراتيجية وتهيئة الظروف المناسبة لعبور القوات المصرية قناة السويس. (بني سويف⁠)


حين تحول الألم إلى نصر


استشهاد عاطف السادات في بداية الحرب كان لحظة إنسانية مؤلمة، لكنه في الوقت نفسه أصبح رمزًا لمعنى أعمق: أن أبناء مصر جميعًا كانوا في خندق واحد، وأن المسؤولية الوطنية لا تفرق بين جندي وضابط وقائد، ولا بين شقيق رئيس الجمهورية وأي مقاتل مصري آخر.


لقد دخل عاطف السادات التاريخ من أوسع أبوابه، ليس لأنه شقيق رئيس الجمهورية، وإنما لأنه طيار مصري اختار أن يؤدي واجبه في أخطر لحظات تاريخ بلاده، ودفع حياته ثمنًا لتحرير الأرض واستعادة الكرامة.


ومن هنا يبقى مطار المليز شاهدًا على واحدة من صفحات البطولة في حرب أكتوبر، وتبقى قصة عاطف السادات جزءًا خالدًا من قصة النصر المصري؛ قصة وطن حارب ليسترد أرضه، وجنود قدموا أرواحهم حتى تعود راية مصر مرفوعة فوق سيناء.


رحم الله شهداء مصر في حرب أكتوبر، وحفظ للأجيال القادمة ذكرى رجال صنعوا النصر بدمائهم وتضحياتهم.

 #نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10595
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.