من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة " أن تكون كلبًا.. "للأديب علاء أحمد

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة


يفتتح النص دلالته منذ عنوانه " أن تكون كلبًا.." وهو عنوان لا يسمي بطل القصة ولا يصفه، وإنما يطرح سؤالًا وجوديًا عن معنى الكينونة ذاتها، فاختيار المصدر المؤول " أن تكون" يجعلها قضية تحول ، لا قضية وصف، وكأن النص يضع القارئ منذ اللحظة الأولى إلى التساؤل، متي يصبح الانتماء لعالم الحيوان أرحم من الانتماء عالم الإنسان؟، وتأتي النقاط المتروكة بعد العنوان لتؤكد أن الجملة لم تكتمل بعد، وأن أحداث القصة هى الجواب المؤجل عن هذا السؤال، ومن اللافت ان السرد لا يبدأ بالبطل ، بل يبدأ بالمكان وما فيه من صخب وألعاب نارية وزينات مضيئة، في إشارة أن الأزمة كامنة في العالم قبل أن تكون كامنة في الإنسان، فالصخب لا يرمز إلى الإحتفال ، بل يكشف المفارقة بين عالم يحتفي بوفرته ، وإنسان يقف على هامشه باحثًا عن لقمة تسد جوعه، أما الأضواء لا تؤدي وظيفته التقليدية بوصفها رمزًا للمعرفة، وإنما تتحول إلى أداة تعرية وانتهاك، وهو ما يفسر شعور البطل بأت خصوصيته قد انتهكت، وتبلغ هذه الدلالة ذروتها في قوله " قد أظهرت الزينات المضيئة من حوله عورات عوزه"، إذ لم يكتف النص بالحديث عن الفقر، بل استعاض عنه بمفردة " العورات" لينتقل بالعوز من كونه حالة اقتصادية، إلى حالة وجودية تستدعي الستر والخجل.

والأعمق من ذلك انوالضوء ام يكشفه للآخرين فحسب، بل كشفه أمام ذاته، فتتحول الإضاءة إلى لحظة وعى مؤلمة لا تمنحه الخلاص ، بقدر ما تجرده من الوهم الذي نسجه الليل حوله ،ومن هنا يؤسس الإستهلال لأحد أخم الإنقلابات الرمزية بالقصة، فلم يعد الضوء رمزًا للحقيقة والتحرر، بل أصبح وسيلة للعنف الإجتماعي ، لأنه يكشف الفقر دون أن يمنحه حقًا أو كرامة ، لابدأ منذ هذه اللحظة رحلة سقوطه النفسي التي تقوده في النهاية إلى التخلي عن إنسانيته.


ويترجم الكاتب هذا الانكشاف النفسي إلى صورة بصرية متتابعة ، فيبدأ بتشكيل هيكل البطل لتكون امتدادًا للمكان الذي يعيش فيه ،فلا تعود لحيته المغبرة وملابسه الممزقة مجرد علامات عاى الفقر، بل تتحول لعناصر للمشهد ، إذ اشبه لحيته مساحة مقلب القمامة، وتبدو ثيابه الممزقة كوعاء قمامة ممزق افصح عما داخله، وهكذا يذوب الحد الفاصل بين الإنسان والفضاء المحيط به، فلا يصبح ساكنًا لمقلب القمامة، بل أحد مكوناته، في دلالة أن المجتمع أعاد تصنيفه ضمن خارج دائرة القيمة الإنسانية.


ويعزز النص هذه الرؤية ، باختياره أكياس القمامة السوداء تحديدًا، لا القمامة في صورتها المجردة، فالكيس الأيود يؤدي وظيفة الستر، كما كان الليل يستر عوز البطل ويُخفيه عن الأعين، لكن الأضواء التي أسقطت هذا العوز ، أسقطت هذا الستر ، فانكشف الكيس وانكشف الإنسان معًا، وأصبح السواد رمز الستر فقد قدرته على الحماية، أيضا استكمالًا لذلك فإن " عربات القطار المتهالكة" لا تبدو مجرد ملجأ لمشرد ، بل تخمل دلالة شديدة العمق، فالقطار رمز للحركة والسفر والوصول، غير انه هنا متهالك ، فاقد لدوره ، شأنه شأن البطل التي توقفت حياته خارج مسار المجتمع ، فلم يبق له سوى الاحتماء بهيكل فقد وظيفته.


ثم يصف الكاتب البشر الذين يطاردونه بالحجارة والعصي ب " الوحوش" ، وهو توصيف يقلب التصنيف الأخلاقي المعتاد، الوحش هنا ليس الحيوان، وإنما الإنسان حين يتجرد من الرحمة، ومنذ هذه اللحظة يبدأ النص في زحزحة صورة الإنسان بوصفه الكائن الأرقى، تمهيدًا للمفارقة الكبرى التي ستبلغ ذروتها في نهاية القصة ، وتتعمق هذه المفارقة من خلال العلاقة بين الليل والنهار؛ فالليل ، على غير دلالته التقليدية ، يصبح زمن الستر والأمان النسبي، يمارس فيه البطل نبشه بعيدًا عن أعين الناس ، بينما يتحول النهار رمز الوضوح والحياة، إلى زمن المطاردة والإذلال، فينعكس النُسق الرمزي المألوف، ليُصبح رحمة ، والضوء أداة للعنف الإجتماعي، ولا يكتفي الكاتب ببناء المشهد بصريًا، بل يستدعي حاسة الشم أيضًا، حين يجعل المارة يطبقون أنوفهم نفورًا من رائحة البطل ، بينما هو لا يشعر بها ، فالرائحة لم تعد تفصيل واقعي، بل علامة على اتساع الهوة بين نظرة الإنسان إلى نفسه، ونظرة المجتمع إليه ، فالرائحة ليست ما ينفرهم وحدها، وإنما صاحبها، لتُصبح إحدى وسائل الإقصاء الرمزي التي يمارسها المجتمع قبل الإقصاء المادي .



وفي قلب هذا البناء، تأتي عبارة " يشبههم ولا يشبههم " لتختزل ازمة الهوية التي يقوم عليها النص بأكمله، فهو يشبه المارة في تكوينه البشري ، لكنه لا يشبهم في موقعه داخل المجتمع ، ولا في الحقوق التي يتمتعون بها، ولا في نظرتهم إليه ،فتظل هويته معلقة بين الإنتماء والإقصاء.

غير ان هذه القيمة الفنية لهذه العبارة لا تتجلى كاملة إلا عند العودة إليها في المشهد الختامي ؛ إذ ان البطل بعد أن رأى الكلاب تنال من الرعاية والطعام ما حُرم منه الإنسان، لم يسعى إلى إثبات انه يشبه البشر، بل راح يسعى إلى انه يشبه الكلاب ، ومن ثم لا يبدو مشيه على أربع ورفه صوته بالنباح فعلًا عبثيًا ، او دليلًا على انهيار العقل، وإنما يمثل الذروة المنطقية لمسار نفسي بدأ منذ اللحظة التي ادرك فيها انه" يشبههم ولا يشبههم" ، لقد تخلى عن إنسانيته ، بعد أن اكتشف أن الإنتماء إلى البشر لا يمنحه الإعتراف او الرحمة .

وهنا تكتمل الدائرة التي بدأها العنوان، فالسؤال لم يعد كيف يكون الإنسان إنسانًا؟ ،بل ما الذي يدفع إنسانًا ان يري في التحول إلى كلب طريقًا وحيدًا لنيل ما حُرم منه وهو واقف على قدميه؟.


ومن الناحية الأسلوبية الجمع بين فعلي " التنقيب والنبش" في سياق البحث عن الطعام، ورغم تقاربهما الدلالي، فلفظ النبش أكثر قوة وانسجامًا مع البيئة الرمزية للنص، لما يحمله من إيحاء بالبحث في كل ما لفظه المجتمع ، وهو ما يتسق مع عالم القمامة ، ورحلة البطل في تقليب ما لفظه المجتمع ، لذلك كان الإكتفاء به كافيًا لتحقيق الأثر الدلالي مع قدر اكبر من التكثيف والإحكام الأسلوبي.


وهكذا يغلق الكاتب دائرته السردية؛ فالعنوان لم يكن سؤالًا عن الكلب ، وإنما كان إتهامًا موجهًا إلى مجتمع يدفع بعض البشر إلى السعي للتخلي عن إنسانيتهم ، ظنًا منهم بأنها الطريق الوحيد للرحمة .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10610
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.