من الشاشة إلى الشارع: كيف تحوّلت خوارزميات التواصل إلى وقود لموجة الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا وأوروبا؟
كيف تضخّم الخوارزميات كراهية المسلمين في بريطانيا؟
تشهد بريطانيا وعدد من العواصم الأوروبية تصاعدًا غير مسبوق في حوادث الكراهية ضد المسلمين، تكشف عنه الأرقام الرسمية والتقارير الحقوقية المتتالية خلال العامين الماضيين، وسط اتهامات متزايدة لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي بلعب دور محوري في تضخيم هذه الظاهرة ونقلها من الفضاء الرقمي إلى العنف الحقيقي في الشوارع.
الأرقام: مسار تصاعدي متواصل
وفقًا لمنظمة "تل ماما" (Tell MAMA)، المعنية برصد الحوادث المعادية للمسلمين في بريطانيا، فقد سجلت المنظمة أعلى عدد من البلاغات في تاريخها خلال عام 2024، حيث تلقت 6313 بلاغًا معاديًا للمسلمين، تم التحقق من صحة 5837 منها، مقارنة بـ4406 بلاغات في العام السابق.
والأخطر أن حالات الاعتداء الجسدي ارتفعت بنسبة 73% خلال عام واحد فقط، من 99 حالة عام 2023 إلى 171 حالة عام 2024.
وتؤكد بيانات وزارة الداخلية البريطانية (Home Office) هذا الاتجاه، إذ سجلت جرائم الكراهية الدينية ضد المسلمين ارتفاعًا بنسبة 19% في الفترة التي أعقبت جريمة قتل ساوثبورت في يوليو 2024، والتي روّجت شائعات كاذبة على منصات التواصل بأن مرتكبها مسلم، قبل أن يتضح أن الجاني مواطن بريطاني وُلد في كارديف لأبوين من أصل رواندي— وهو ما فجّر أعمال شغب هي الأعنف في بريطانيا منذ عقود، استهدفت المساجد ومراكز إيواء المهاجرين.
ووصل الأمر إلى حد أن تقريرًا حديثًا لـ"وحدة الاستجابة للإسلاموفوبيا" (IRU) وثّق ارتفاعًا في حالات الإسلاموفوبيا بنسبة 377% بين عامي 2023 و2024، مع تسجيل 906 حادثة تم التحقيق فيها بين عامي 2021 و2025.
أما في يونيو 2026، فقد وثّق "المجلس الإسلامي البريطاني" في تقرير موجّه لأعضاء البرلمان معدل 4-5 حوادث أسبوعيًا، أكثر من 40% منها كانت حرائق متعمدة أو محاولات إحراق.
دور الخوارزميات: من الرصد الأكاديمي إلى القلق الرسمي
لا تقتصر هذه الظاهرة على المتابعة الصحفية، بل باتت موضوعًا لدراسات أكاديمية متعددة. فقد كشفت دراسة قادها الباحث الإعلامي لورانس بينتاك عام 2021 حول التغريدات المستهدِفة للنائبة الأمريكية إلهان عمر أن نصف التغريدات تضمنت لغة إسلاموفوبية أو معادية للأجانب بشكل صريح، أو أشكالًا أخرى من خطاب الكراهية، وأن معظم هذا المحتوى لم يكن يُروَّج مباشرة من قِبل ناشريه الأصليين، بل عبر حسابات "مضخّمة" تعيد نشره وترويجه على نطاق واسع عبر إعادة التغريد والردود.
كما وجد باحثون أن جزءًا من هذا التضخيم لا يتم عبر مستخدمين حقيقيين، بل عبر حسابات وهمية ومولّدة آليًا تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية تضخيم الكراهية ضد المسلمين على الإنترنت.
وفي دراسة أوروبية حديثة أُجريت على المحتوى الفنلندي، خلص الباحثون إلى أن تصميم هذه المنصات وخوارزمياتها لا يكتفي بترويج خطاب الكراهية، بل يضخّم من رؤيته ومداه، وأن الخوارزميات التي تُرجّح المحتوى المثير للتفاعل غالبًا ما تفضّل المحتوى الاستفزازي أو الاستقطابي، بحيث لا تعكس وسائل التواصل الانحيازات المجتمعية القائمة فحسب، بل تضخّمها أيضًا عبر هذا الانحياز الخوارزمي.
وتشير دراسات أخرى إلى أن التحيز لا يقتصر على خوارزميات الترويج، بل يمتد إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ذاتها؛ فقد وثّق باحثون أن أنظمة مثل GPT-3 تميل إلى ربط المسلمين بالعنف بشكل تلقائي في النصوص التي تولّدها، وهي مشكلة وُجدت في نماذج سابقة مثل GPT-2 أيضًا.
السياق السياسي: تغذية متبادلة
لا يمكن فصل هذه العنصرية الرقمية عن المناخ السياسي؛ إذ يربط باحثون في مركز "رانيميد" البريطاني بين تصاعد الخطاب اليميني المتشدد إعلاميًا وسياسيًا وبين تطبيع الخطاب العنصري ضد المهاجرين وطالبي اللجوء والمسلمين.
ويتزامن هذا مع صعود لافت لحزب "الإصلاح" اليميني، الذي أظهرت استطلاعات تصدره بنسبة 24% لو أُجريت انتخابات عامة فورية.
ختاما
الربط بين التحيز الخوارزمي وتصاعد خطاب الكراهية المعادي للمسلمين موثق أكاديميًا ومؤسسيًا بشكل متزايد، لكنها علاقة متشابكة العوامل: أحداث جيوسياسية (غزة، ساوثبورت)، صعود سياسي يميني، فجوات في إنفاذ سياسات المنصات، وبنية خوارزمية تكافئ المحتوى الاستقطابي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك