البرهان يعود إلى القصر الجمهوري بينما «الدعم السريع» يوزّع ضرباته من قيسان إلى جبرة الشيخ
مؤسسة الدولة تعود لمقعدها، والميليشيا تُبقي جذوة الحرب مشتعلة على أطراف متفرقة
وصل قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، اليوم الخميس، إلى القصر الجمهوري في الخرطوم ليمارس مهام عمله هناك بصفة رسمية لأول مرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ولم تكن الزيارة مجرد عبور رمزي، إذ أوضح إعلام مجلس السيادة أن البرهان توجّه إلى القصر لاستلام أوراق اعتماد عدد من سفراء الدول، في مؤشر على استئناف مؤسسة الدولة لوظائفها البروتوكولية والدبلوماسية من قلب العاصمة.
ونقل مجلس السيادة عبر مقطع فيديو لحظة وصول البرهان إلى قصر تعرّض لدمار كبير قبل أن تُستأنف عمليات ترميمه وإصلاحه على مدى الأشهر الماضية.
هذه العودة تحمل دلالة تتجاوز الشكل البروتوكولي؛ فالقصر الذي فقدته الدولة في الأيام الأولى للحرب، ثم استعاده الجيش عسكريًا في مارس 2025، يتحوّل اليوم إلى مقر عمل فعلي، في خطوة تسعى إلى ترسيخ فكرة أن مركز القرار السوداني لم يعد في الرمزية العسكرية وحدها، بل في استئناف الحكم المدني-العسكري لمهامه المعتادة.
جبهات متفرقة.. واستراتيجية الاستنزاف المتبقية لـ«الدعم السريع»
في المقابل، واصلت قوات الدعم السريع محاولاتها لإبقاء الضغط العسكري حيًا عبر هجمات متزامنة على أكثر من جبهة:
قيسان (النيل الأزرق):
شهدت المدينة الحدودية مع إثيوبيا معارك ضارية بعدما شنّ تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو هجومًا واسعًا استخدم فيه الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة بشكل مكثف.
وأعلن تحالف "تأسيس" المتحالف مع الدعم السريع سيطرته الكاملة على المدينة، إلا أن مصادر عسكرية أكدت أن الجيش السوداني ما زال يحتفظ بقاعدته العسكرية داخل المدينة وسط اشتباكات متواصلة، مما يجعل حقيقة السيطرة محل تضارب بين الروايات.
ونقلت تقارير محلية اتهامات لعناصر الدعم السريع بالوصول إلى سوق قيسان الرئيسي ونهبه بالكامل وإطلاق الرصاص على المواطنين.
الكرمك (النيل الأزرق):
على النقيض من التضارب في قيسان، بدت الصورة أكثر وضوحًا في الكرمك، حيث سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة الواقعة في جنوب شرقي السودان بعد هجوم مكثف بالطائرات المسيّرة والقوات البرية.
جبرة الشيخ (شمال كردفان):
على الجبهة المقابلة، حقق الجيش نجاحًا دفاعيًا واضحًا، إذ أعلن تصديه لهجوم شنّته قوات الدعم السريع على المدينة، مؤكدًا أنه طارد هذه القوات حتى تخوم إقليم دارفور.
أم درمان:
عاد نشاط المسيّرات ليطال العاصمة المثلثة، إذ شنّت قوات الدعم السريع هجومًا بالطائرات المسيّرة على أم درمان لليوم الثاني على التوالي، في مؤشر على محاولة الميليشيا نقل الضغط النفسي إلى العمق الحضري رغم خسائرها الميدانية على الأطراف.
هذا التوزّيع الجغرافي للهجمات -من الحدود الإثيوبية شرقًا إلى شمال كردفان غربًا وصولًا إلى سماء العاصمة- يعكس منطقًا واحدًا وهو عجز قوات الدعم السريع عن خوض معركة حاسمة على جبهة واحدة، مقابل قدرته على تنفيذ ضربات استنزاف متفرقة تُبقي الحرب مفتوحة وتحرم الدولة من الاستقرار الكامل.
التصدعات الداخلية تتسع
يتزامن هذا النشاط الميداني مع تصاعد لافت في وتيرة الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع.
وفي أحدث حلقاتها، أعلن حاكم إقليم كردفان المعيّن من قبل الدعم السريع، حمد محمد حامد خليفة، انشقاقه واستقالته من مناصبه على الهواء خلال مقابلة تلفزيونية، متهمًا الميليشيات بتأجيج النزاعات القبلية والأهلية والعنصرية.
ويرى باحثون أن نقطة التحول الأبرز في مسار هذه الانشقاقات كانت في نيسان/أبريل الماضي مع خروج القائد النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة" -أحد مؤسسي الدعم السريع- من صفوف الميليشيا، إذ استثمر مكانته التاريخية لاستقطاب مجموعات كانت تدين له بالولاء وسحبها تباعًا للانضمام إلى القوات الحكومية.
ووصف أحد الباحثين هذه الظاهرة بأنها أصبحت شبه أسبوعية تضرب صفوف الميليشيا.
مع ذلك، يحذّر محللون من القفز إلى استنتاجات متسرعة؛ إذ لا تكفي انشقاقات 2026 وحدها للقول إن هذه القوة تتجه إلى انهيار كامل، بينما يرى آخرون أن حالة النزيف الحالية قد لا تفضي إلى انهيار دراماتيكي وسريع في المدى القصير، لكن تداعياتها العميقة ستنعكس تدريجيًا ومؤلمًا على موازين القوى الميدانية.
يتقاطع المسار السياسي والعسكري في نقطة واحدة هذا الأسبوع: بينما تحاول قيادة الدعم السريع تعويض تراجعها الميداني وتصدعاتها الداخلية بهجمات متفرقة تبقي جذوة الحرب مشتعلة، يعمل الجيش على تحويل استعادة العاصمة إلى مكسب سياسي ومؤسسي دائم، عبر إعادة تفعيل رموز الدولة -من استقبال السفراء إلى ترميم مقار الحكم- في مسعى لتظهير الفارق بين طرف يخوض حرب استنزاف تكتيكية وطرف يعيد بناء مركز الدولة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك