لماذا تدفع النساء ثمناً أغلى في مواجهة الأمراض المنقولة جنسياً؟
تكشف الدراسات الطبية الحديثة عن فجوة واضحة بين الجنسين في مواجهة الأمراض المنقولة جنسياً، إذ تتحمل النساء عبئاً صحياً أثقل من الرجال، سواء من حيث معدلات الإصابة أو حدة المضاعفات الناتجة عنها.
وطبقاً لأحدث تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2022، سُجّل نحو 374 مليون إصابة جديدة بأربعة أمراض منقولة جنسياً حول العالم موزعة بين 129 مليون إصابة بالكلاميديا، و82 مليون إصابة بالسيلان، و156 مليون إصابة بداء المشعرات، و7.1 ملايين إصابة بالزهري، فيما يتجاوز عدد المصابين بفيروس الهربس التناسلي 490 مليون شخص، وهي أرقام تضع النساء في مقدمة الفئات الأكثر تضرراً بيولوجياً واجتماعياً.
فجوة بيولوجية تبدأ من التشريح
يعود جانب كبير من هذا التفاوت إلى طبيعة الجهاز التناسلي الأنثوي ذاته. فبطانة المهبل أرق وأكثر حساسية من جلد القضيب، ما يسهّل اختراق البكتيريا والفيروسات للأنسجة، إضافة إلى امتلاك النساء مساحة أكبر من الأغشية المخاطية المعرضة للعدوى، خصوصاً في منطقة عنق الرحم والمهبل، حيث قد تحدث تمزقات مجهرية أثناء الجماع تشكّل نقطة دخول للفيروسات والبكتريا المعدية. وتساهم البيئة الدافئة والرطبة داخل المهبل في تسريع نمو وتكاثر مسببات العدوى.
كما تلعب الأوعية الدموية الغزيرة في الأعضاء التناسلية الأنثوية والقناة المهبلية الطويلة دوراً إضافياً في تسهيل انتقال البكتيريا نحو الرحم وقناتَي فالوب، وهو ما يفسّر جزئياً ارتفاع معدلات إصابة الشابات بالكلاميديا مقارنة بالشباب في الفئة العمرية نفسها؛ إذ تشير بيانات مركز السيطرة على الأمراض الأميركي (CDC) إلى أن معدل الإصابة بالكلاميديا بين الفتيات من سن 10 إلى 19 عاماً بلغ نحو 1260.9 حالة لكل 100 ألف، مقابل 845.2 حالة لكل 100 ألف بين الفتيان في العمر ذاته.
وفي الولايات المتحدة وحدها، سجّلت السلطات الصحية في عام 2023 نحو 1.03 مليون إصابة بالكلاميديا بين النساء مقابل نحو 610 آلاف إصابة بين الرجال، في حين انعكس الاتجاه مع مرض السيلان الذي سجّل معدلات أعلى بين الرجال (نحو 378 ألف حالة) مقارنة بالنساء (نحو 221 ألف حالة)، مما يؤكد أن نمط انتشار كل مرض يختلف باختلاف نوعه، وإن ظلت الحصيلة العامة للمضاعفات أثقل وطأة على النساء.
الهرمونات ودرجة الحموضة المهبلية
لا تقتصر العوامل البيولوجية على التشريح وحده، إذ تسهم التغيرات الهرمونية المرتبطة بالدورة الشهرية في زيادة قابلية النساء للإصابة.
في بعض مراحل الدورة، يكون عنق الرحم أكثر انفتاحاً، ما يسمح للعدوى بالوصول إلى الجهاز التناسلي العلوي بسهولة أكبر، كما تؤثر هذه التغيرات على توازن درجة الحموضة المهبلية، فتُضعف قدرتها الطبيعية على مقاومة العدوى.
عندما تتحول العدوى إلى عقم وسرطان
تتجاوز خطورة الأمراض المنقولة جنسياً لدى النساء حدود الإصابة الأولية لتطال الصحة الإنجابية على المدى الطويل.
الكلاميديا والسيلان يُعدّان من الأسباب الرئيسية للعقم والحمل خارج الرحم، إذ يمكن أن يتطورا إلى مرض التهاب الحوض الذي يسبب ألماً مزمناً وتلفاً دائماً في قناتَي فالوب.
واللافت أن نحو نصف النساء المصابات بالكلاميديا لم يكن لديهن سوى شريك جنسي واحد خلال العام السابق للإصابة، وهو ما يدحض الافتراض الشائع بأن ارتفاع معدلات العدوى مرتبط بالضرورة بتعدد العلاقات.
أما فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) فيمثل الخطر الأكبر، كونه المسؤول عن نحو 99.7% من حالات سرطان عنق الرحم، الذي يحتل المرتبة الثامنة بين أكثر أنواع السرطان انتشاراً عالمياً، وتسبب في أكثر من 266 ألف وفاة عام 2012 وحده.
وفي المقابل، يمكن أن يصيب الفيروس نفسه الرجال بسرطان القضيب، لكن معدل حدوثه لا يتجاوز حالة واحدة مقابل كل مئة حالة سرطان عنق رحم لدى النساء. وتشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 290 مليون امرأة حول العالم مصابات حالياً بفيروس HPV، مما يجعله أحد أكثر الفيروسات المنقولة جنسياً انتشاراً على الإطلاق.
الهربس التناسلي وفيروس نقص المناعة
بسبب بنية الأعضاء التناسلية الأنثوية، غالباً ما تؤدي عدوى الهربس الجديدة إلى ظهور عدد أكبر من البثور المؤلمة لدى النساء مقارنة بالرجال الذين يعانون عادة من أعراض أخف.
والأخطر من ذلك أن الإصابة بفيروس الهربس من النوع الثاني (HSV-2) ترفع لدى النساء خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية إلى ثلاثة أضعاف، نتيجة الالتهاب وتضرر الأنسجة الذي يسهّل دخول الفيروس.
وتشير دراسات متخصصة إلى أن النساء الشابات معرضات بشكل خاص لاكتساب فيروس نقص المناعة عبر الاتصال الجنسي المغاير، بسبب تعرضهن لكمية أكبر من السوائل الجسدية على مساحة أوسع ولفترة أطول، إضافة إلى شيوع ما يُعرف طبياً بـ"الانشقاق الظهاري" (ectropion) لدى الشابات، وهو ما يزيد من مساحة الخلايا المستهدفة بالفيروس.
أعراض غامضة تؤخر التشخيص
من أبرز ما يميز تجربة النساء مع الأمراض المنقولة جنسياً هو صعوبة اكتشافها مبكراً،فحرقة بسيطة أثناء التبول قد تُعزى إلى ممارسة الرياضة أو الملابس الضيقة، والإفرازات أو الحكة قد تُفسَّر على أنها عدوى فطرية شائعة، بينما تكون العدوى الحقيقية قد امتدت بالفعل إلى قناتَي فالوب.
والأدهى أن الأعراض قد تغيب كلياً في كثير من الحالات؛ إذ إن كل 7 من 10 نساء مصابات بالكلاميديا لا تظهر عليهن أي أعراض ظاهرة، مما يجعل الفحص الدوري ضرورة وليس خياراً.
عوامل اجتماعية واقتصادية تفاقم الخطر
تتقاطع العوامل البيولوجية مع أخرى اجتماعية تزيد من هشاشة موقف المرأة. فاختلال توازن القوى داخل العلاقات وصعوبة التفاوض على استخدام وسائل الحماية مثل الواقي الذكري يجعلان كثيراً من النساء أكثر عرضة للعدوى، خاصة أن بعضهن لا يشعرن بالراحة الكافية للإصرار على استخدامه.
كما يضاعف الاعتماد المالي على الشريك من التهميش الاقتصادي للمرأة أمام الأمراض المنقولة جنسياً وفيروس نقص المناعة، إذ قد تدفع الحاجة الاقتصادية بعض النساء نحو قبول علاقات غير آمنة أو حتى الممارسة الجنسية، وهو ما يرفع من درجة التعرض للعدوى.
ويضيف بعض الباحثين عاملاً إضافياً يتعلق بمضاعفات الولادة؛ إذ قد تتعرض النساء بعد الوضع لفقر دم يستدعي نقل دم، وفي حال عدم خضوع الدم المنقول لفحص دقيق في بعض الأنظمة الصحية الأقل تطوراً، يصبحن عرضة لخطر إضافي للإصابة بأمراض مثل التهاب الكبد الوبائي "ب" أو فيروس نقص المناعة " الإيدز " .
خطر ممتد إلى الجنين
لا تتوقف تداعيات الأمراض المنقولة جنسياً عند المرأة نفسها، بل قد تمتد إلى الجنين في حال الحمل دون علاج. فبعض هذه الأمراض، وعلى رأسها الزهري والهربس، قد تنتقل إلى الجنين أو المولود مسبّبة مضاعفات خطيرة تشمل الإملاص، وانخفاض الوزن عند الولادة، وتلف الدماغ، والصمم، والعمى. وتشير تقديرات عالمية إلى أن ما يقارب مليون امرأة حامل أصيبت بمرض الزهري خلال عام واحد فقط، مما أدى إلى نفوق أكثر من 350 ألف ضحية نتيجة ولادة سلبية، وهو ما يبرز أهمية الفحص المبكر لدى النساء الحوامل تحديداً.
ختاما
الفحص الدوري خط الدفاع الأول
تجمع الأدلة الطبية على أن الفجوة بين الجنسين في مواجهة الأمراض المنقولة جنسياً ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تفاعل معقد بين عوامل تشريحية وهرمونية واجتماعية واقتصادية تصب جميعها في اتجاه واحد:د وهو تحمّل النساء لعبء صحي أكبر.
ويؤكد الخبراء أن الفحص الدوري المنتظم، بصرف النظر عن ظهور الأعراض من عدمه، يبقى الوسيلة الأكثر فاعلية للكشف المبكر والحد من المضاعفات طويلة الأمد، إلى جانب أهمية تمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً بما يتيح لهن حرية التفاوض على العلاقات الآمنة.
#سبب-اصابة-النساء-بالامراض-المنقولة-جنسيا
why-women-more-at-risk-stds
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك