" ليديا" لعادل التوني رواية الحبّ والذّاكرة والمدينة
تندرج رواية "ليديا" ضمن الرّوايات الوجدانيّة التي تجعل من الحكاية وسيلة لاكتشاف الذّات، ومن الحبّ تجربة وجوديّة تتجاوز العلاقة العاطفيّة إلى إعادة تشكيل الإنسان ورؤيته إلى العالم.
يؤكّد الكاتب في مقدّمته أنّ الرّواية ليست بحثًا عن الكمال الفنّيّ، بقدر ما هي حكاية عاشها في وجدانه قبل أن يكتبها، وهو تصريح يكشف طبيعة العمل القائم على الصّدق الشّعوريّ أكثر من التّعقيد البنائيّ.
تقنيّات السّرد والأسلوب في الرّواية
تقوم الرّواية على لغة يغلب عليها البعد الشّعريّ، فتتحوّل التّفاصيل اليّوميّة إلى صور وجدانيّة، ومن هنا البحر يصبح مرآة للنّفس، وتصير المدينة كائنًا حيًّا يحتضن الشّخصيّات. أمّا الابتسامة والصّمت فيحملان دلالات تتجاوز الحوار المباشر.
وتنبع الصّورة في الرّرواية من تفاعل الإنسان مع المكان والزّمان، يرسم الكاتب مشاهده من خلال عناصر الطّبيعة، فيجعل البحر والرّيح والمطر والضّوء امتدادًا للشّعور الإنسانيّ.
واللّافت كثرة التّشبيهات والاستعارات، مثل تصوير الصّمت بأنّه لغة قائمة بذاتها، أو وصف المدينة بأنّها ذاكرة نابضة، ومنحت هذه اللّغة النّصّ إيقاعًا هادئًا، يسهم في أن يعيش المتلقي التّجربة أكثر ممّا يقرأ أحداثها.
وجاء الرّواي في الرّواية راويًّا عليمًا، مستخدمًا ضمير المتكلّم، فبدت الرّواية أقرب إلى الاعتراف، وربما تلامس السّيرة الوجدانيّة. وهذا يعزّز الإحساس بالصّدق والحميميّة، فالأحداث تروى من داخل التّجربة لا من خارجها.

ومن الملاحظ بشكل كبير وجود الحوار في الرّواية، استطاع أن يكشف لنا الشّخصيّات، وإن جاءت الحوارات بين الرّاوي وليديا قصيرة، لكنّها مشبعة بالإيحاء، وعمل الحوار على الكشف التّدريجيّ للشّخصيّات، فالأسئلة المتبادلة بين "ليديا" والرّاوي، أو مع والد ليديا تبدو بسيطة لكنّها تحمل دلالات نفسيّة وثقافيّة عميقة، ولا يهدف الحوار إلى دفع الأحداث فقط، إنّما إلى كشف طريقة التّفكير، لذلك نجد أنّ كلّ حوار يضيف بعدًا جديدًا للشّخصيّات.
وفي مقابل الحوار جاء الصّمت ليحتلّ مساحة واسعة، كونه جزءًا من الخطاب السّرديّ. وقد كرّر الرّاوي الإشارة إلى أنّ الصّمت قد يكون أبلغ من الكلام، وهو ما يمنح الرّواية طابعًا رومنسيًّا. إنّ النّظرات والابتسامات والتّردّد والانتظار جميعها تتحوّل إلى لغة ثانية، وربما أكثر صدقًا من اللّغة المنطوقة.
ومع الرّاوي الذي نقل لنا علاقته بليديا جاءت "نانسي" شخصيّة يحاورها الرّاوي، وعبرها سرد لنا ما حدث بينه وبين ليديا، فكانت حيلة سرديّة تجنّب فيها الكاتب أن يتحوّل الأمر إلى مجرد تذكّر للماضي.
إنّ المكان في العمل السّرديّ يشكّل الإطار الذي تتحرّك داخلة الشّخصيّات، وفي رواية "ليديا" أدّت الإسكندريّة دورها في الرّواية، وبرزت هذه المدينة بإطارها المكانيّ لكنّها تظهر كائنًا حيًّا يشارك الشّخصيّات تجربتها، فتحوّلت إلى أن تكون شخصيّة موازيّة، وربما من العسير الفصل بين المكان والشّخصيّات أو بين المدينة والحبّ.
واستطاعت الرّواية أن تقدّم هذه المدينة بكلّ مكوّناتها عبر شوارعها القديمة ومكتباتها، و"كورنيش البحر"، فتغدو شريكًا في صناعة الحدث العاطفيّ، وقد ارتبط الحبّ بالمكان ارتباطًا وثيقًا، وشكّلت الإسكندرية الذّاكرة والهوية، حتى ليديا تقدّم المدينة فضاءً للتّنوّع والجمال والتّاريح، حتّى يمتزج حبّ المرأة بحبّ المكان. ومن هنا فإنّ المدينة تكون الذّاكرة والهوية والجمال والشّريك في صناعة الحبّ، وهذا ما يجعل الإسكندريّة مكانا دلاليًّا لا يقلّ أهمية عن الشّخصيّات.
ولعل هذه الوظيفة للمكان تتكشّف لنا منذ الصّفحات الأولى، ففي الإهداء يهدي الكاتب عمله إلى عائلته، ثم يخصّ الكاتب الإسكندريّة بقوله "لمسقط رأسي، وقلبي... الإسكندريّة"، وهذه العبارة إعلان مبكر بأنّ الإسكندريّة إضافة إلى كونها موطنًا جغرافيًّا، ظهرت موطنًا وجدانيًّا، وأن الرّواية ستُقرأ بعين العاشق لا بعين المؤرّخ أو السّائح.
وعليه فالكاتب لا يصف الإسكندرية كما يصف السّائح مدينة يزورها للمرة الأولى، وإنّما كما يستعيد الإنسان جزءًا من ذاته، فتكرّر في الرّواية أسماء الشّوراع والكورنيش والبحر والمقاهي ومكتبات النبي دانيال، لتشكّل مستودعات للذّاكرة، فالزّاوية ترسم حادثة، والرّصيف ينتج حورًا، وكلّ موجة بحر تحي إحساسًا قديمًا.
وبرز في الرّواية هذا التّرابط بين المدينة والهوية، فالرواي لا يعرّف نفسه بعيدًا من الإسكندرية، حتّى أن ليديا نفسها ترتبط في وعيه بصورة المدينة، فتصبح المدينة مرادفًا للحبيبة، والحبيبة مرادفًا للمدينة. لهذا فإنّ فقدان المكان يوازي فقدان الحبيبة، واستعادة المدينة تعني استعادة زمن الحبّ.
أمّا البحر جارُ الإسكندريّة فيأخذ موقعًا مركزيًّا في الرّواية، فالرّاوي يتّجه إلى البحر كلّما احتاج إلى التّأمل، وكذلك ليديا، لهذا يكتسب البحر وظيفة تأويليّة، استطاع أن يفسّر الحالة النّفسيّة أكثر ممّا يزيّن المشهد. فتداخل الوصف الخارجيّ والدّاخليّ للبحر.
ويمكن تصنيف الأمكنة في الرّواية وفق ثلاث صفات:
المكان الواقعيّ: حيث تقع الأحداث وتتحرّك الشّخصيّات.
المكان النّفسيّ: حيث يتحوّل المكان إلى وعاء للذّاكرة والانفعال.
المكان الرّمزي: حيث يغدو المكان معادلًا للحياة نفسها، ويكون شخصية حيّة.
أمّا الزّمن في رواية "ليديا" فلا يتحرّك وفق خط مستقيم يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى، إنّ زمن الرّواية يتشكّل من حركة دائريّة تتداخل فيها الأزمنة، قائمة على الاسترجاع، فالرّاوي يبدأ من الحاضر ثم يعود إلى الماضي عبر مكالمة هاتفيّة، وهنا ظهرت الشّخصيّة الثانويّة "نانسي"، لتكون الواجهة لهذه العودة، ومن هنا فإنّ الذّاكرة تصبح الإطار الذي تُبنى فيه الأحداث، وهذا ما يجعل الماضي أكثر حضورًا من الحاضر.
وتبدأ الرّواية من حاضر يبدو عاديًّا، غير أنّ هذا الحاضر لا يلبث أن يوقظ الماضي، فتتداعى الذّكريات وتفرض نفسها على حركة السّرد، وهنا الزّمن يُقاس بمقدار تأثيره في النفس وليس بالسّاعات والأيام، فاللّحظة الواحدة قد تستوعب سنوات كاملة من الذّكريات، في حين تمرّ مدّة طويلة من دون أن تشغل في الرّواية إلّا أسطرًا قليلة، وهذا ما يعني أن الرّواية تقوم على مفهوم الزّمن النّفسيّ وليس الزّمن الكرونولوجيّ.
ويعتمد الكاتب على تقنية الاسترجاع اعتمادًا واضحًا، وهو يؤدي وظيفة إعادة تفسير الماضي، فالرّاوي يستعيد الأحداث كما يفهمها بعدمرور الزّمن، ومن هنا فإنّ الرّواية تكتب وعي الماضي. وكل عودة يضيف الزّمن فيها طبقة جديدة من الفهم.
وقد يلحظ المتلقي أنّ إيقاع الزّمن يتسارع أو يتباطأ تبعًا للحالة النّفسيّة للشّخصيّات. فاللّحظات التي تجمع السّارد بليديا تبدو طويلةـ لأنّها مشبعة بالتّأمل والوصف، أمّا المراحل الفاصلة بين اللّقاءات تمرّ بسرعة واضحة. وهنا يبدو أنّ الزّمن النفسيّ يخضع لدرجة الانفعال الدّاخليّ.
ونستطيع أن نكتشف أنّه لا يمكن أن نفصل الزّمن عن المكان، فلكّما استعاد الرّاوي مكانًا معيّنًا، استعاد معه زمنًا كاملًا، والعكس صحيح. وكما يقول حميد الحمداني، إنّه "لا يمكن تصوّر المكان الموصوف من دون سيرورة زمنيّة مكانيّة". من هنا تنشأ علاقة جدليّة بينهما بحيث يغدو كلّ منهما مرآة للآخر.
والرّاوي لا يصف الوقائع بقدر ما يصف ما أحدثته من تحوّلات، لهذا غلب التّأمّل، وقد تجلّى ذلك بهيمنة ضمير المتكلّم/ وحضور الذّاكرة، وتراجع الحدث أمام الشّعور.
المضمون والرؤية الفكريّة للرّواية
وبالاستناد إلى ما سبق نرى أنّ الرّواية تقوم على محاور منها الذّاكرة والمكان، أمّا المحور الثالث فهو الحبّ، وهو ليس انفعالًا عابرًا، إنّما يعبّر عن تجربة تغيّر الإنسان. ويتحوّل اللّقاء الأوّل في الحافلة إلى نقطة تحوّل في حياة البطل، ويصبح بداية جديدة في الوعي والوجدان.
وإذا بحثنا في رؤية الرّواية، نكتشف أنّها تقوم على عدة رؤى، أوّلها بأن الحبّ معرفة، فيتجاوز الحبّ على العلاقة الرّومانسيّة، ليكون وسيلة لفهم الذّات. لأنّ كلّ شخصيّة تكتشف نفسها من خلال الآخر.
والرّؤية الثّانية تتمثّل بقيمة إنسانيّة، فيتكرّر حضور الفنّ والكتب والشّعر والبحر. وكأنّ الكاتب يريد القول إنّ الجمال هو ما ينقذ الإنسان من قسوة الواقع، وعليه فقد حضرت إشارات إلى الشّعر، ولا سيما شعر نزار قبّاني، كونه جزءًا من العالم الثّقافيّ للشّخصيّات، ومن زاوية أخرى يظهر لنا الشّعر الانجليزيّ، ليرسم لنا جزءًا من خلفية شخصيّة ليديا. وهذا التضمين التّناصيّ مع الشّعر العربيّ الحديث ولا سيما حضور نزار قباني، أدّى وظيفة دلاليّة، إذ ترتبط التّجربة الخاصة بذاكرة ثقافيّة مشتركة، وتمنح المشهد العاطفيّ بعدًا يتجاوز خصوصيّة الفرديّة.
أمّا الرّؤية الثّالثة، فتتمثّل بأنّ الصّدق أساس العلاقات، فتطرح الرّواية سؤال الصّراحة والثّقة، خاصة في حديث ليديا عن ضرورة إخبار والدها بالحقيقة، ما يكشف أنّ الكاتب يجعل الصّدق قيمة أخلاقيّة لا تقلّ أهمية عن الحبّ نفسه.
فالحقيقة مهما كانت صعبة، فهي تبدو في منظور الكاتب أفضل من المواربة أو الخداع، لأنّ الثّقة هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقة الإنسانيّة. كما تحضر قيمة الوفاء امتدادًا للذّاكرة، فالإنسان الوفي هو الذي لا يتخلى عن تجاربه ويحملها معه جزءًا من تكوينه. ويمثّل الوفاء إخلاصًا للحياة نفسها.
وإذا كانت الحقيقة التي يجب ان يعرفها الوالد وهو الاختلاف العقائديّ الدّينيّ بين الحبيبن، فإنّ الأزمة الحقيقيّة هي في كيفية حفاظ ليديا على حبّها، وفي الوقت نفسه عدم مخالفة الوالد والاقتناع بوجهة نظره في كون هذا الاختلاف سيؤدّي إلى توتر يؤثر على ابنته.
وإذا كنّا لا نغفل عن نجاح الكاتب في بناء جو رومانسيّ متكاسم وفي تحويل المكان إلى عنصر جماليّ فاعل، لكن قد نرى أن الرّواية تميل إلى تغليب اللّغة الوجدانيّة على الحدث، فيتراجع الفعل السّرديّ أحيانًا أمام التّأمل، وقد تبدو الشّخصيّات الرّئيسة مثاليّة في كثير من المواضع، ولا يظهر الصّراع النّفسيّ العنيف إلّا بدرجة محدودة. إضافة إلى أنّ الإيقاع السّرديّ هادئ وقد يبدو بطيئًا للقارئ الذي يبحث عن التّشويق التّقليديّ.
في الختام يمكننا أن نقول إنّ الرواية "ليديا" ليست رواية أحداث، بقدر ما هي رواية مشاعر وذاكرة، تقوم على لغة شاعريّة، وسرد ذاتيّ، ورؤية تؤمن بأن الحبّ يعيد تشكيل الإنسان، وأنّ المكان الجميل يصبح جزءًا من تكوينه الرّوحيّ.
وتكمن قيمة الرّواية في قدرتها على تحويل التّفاصيل البسيطة إلى تجربة إنسانيّة عميقة، حيث تتّحد المرأة والمدينة والذّاكرة في بناء عالم روائيّ يغلب عليه الصّفاء والحنين.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك