وهم النجومية
وقفتُ على منصةٍ لم أصل إليها بعرق قلمي ولا بسهر الليالي ولا بوجع الكلمات وهي تولد من بين ضلوعي .
وقفتُ هناك لأن إصبعاً ضغط زراً … فصنعت الشاشةُ نجمةً لا تستحق أن تلمع .
ارتفعت الأيدي بالتصفيق وتعالت الكلمات والتُقطت الصور وابتسمتُ أمام الجميع كأنني وصلتُ إلى حلمٍ طال انتظاره .
لكنني في تلك اللحظة تحديداً لم أكن سعيدة .
كان هناك شيءٌ في داخلي يرفض الاحتفال .
شيءٌ كان يهمس لي بصوتٍ لا يستطيع التصفيق أن يُسكته :
“أنتِ تعرفين الحقيقة"
نظرتُ إلى المنصة ثم إلى الشهادة التي مُنحت لي ثم إلى الأضواء التي تحاصر وجهي وفجأة … شعرتُ أن كل هذا البريق باهت .
فما قيمة نجوميةٍ لم أصنعها ؟
وما قيمة تكريمٍ لم أدفع ثمنه من عمري ؟
وما معنى أن يُقال عني “كاتبة” ، بينما أعرف في أعماقي أنني لم أضع في هذا المكان ما يستحقه اسمي ؟
أيُّ مجدٍ هذا الذي يُمنح بلا تعب ؟
أيُّ وسامٍ ذلك الذي لا يحمل على أطرافه آثار السهر ولا رائحة الورق ولا وجع المحاولة ولا خوف الكاتب وهو يضع جزءاً من روحه في سطر ؟
الكاتب الحقيقي لا يبدأ من المنصة …
يبدأ من غرفةٍ هادئة وورقةٍ بيضاء وقلبٍ ممتلئ بما لا يستطيع قوله لأحد .
يبدأ من كلمةٍ مشطوبة عشر مرات ومن فكرةٍ ظل يبحث عن التعبير الصحيح لها طوال الليل .
يبدأ من لحظات الشك حين يسأل نفسه :
هل ما أكتبه يستحق أن يُقرأ ؟
ثم يكتب رغم خوفه .
ويُعيد الكتابة رغم فشله .
ويُحاول من جديد رغم أن أحداً لا يصفق له .
تلك هي النجومية التي أعرفها .
أما أن يتحول الضغط على زر إلى مجد والصورة إلى إنجاز والشهادة إلى دليل على موهبة لم تُختبر … فذلك ليس نجاحاً .
ذلك وهم النجومية .
والأخطر من أن نخدع الآخرين … أن ننجح في خداع أنفسنا .
فقد يستطيع الإنسان أن يخدع جمهوراً وأن يقنع الناس بأنه وصل وأن يجمع حول اسمه التصفيق والتكريم والصور .
لكنه لن يستطيع أن يخدع مرآته حين يختلي بنفسه .
ولن يستطيع أن يخدع ضميره .
ولن يستطيع أن يهرب من السؤال الذي سيظل يطارده :
“هل كنتُ أستحق كل هذا فعلًا ؟”
وفي لحظة صدقٍ واحدة … قد تسقط كل الألقاب .
قد تصبح الشهادة مجرد ورقة .
والصورة مجرد صورة .
والتصفيق مجرد ضجيج .
ويبقى الإنسان وحده أمام الحقيقة .
وأمام الله .
وهناك … لا تنفع الأضواء .
لا تنفع الألقاب .
لا تنفع المجاملات .
ولا تُقاس قيمة الإنسان بعدد المرات التي صعد فيها إلى المنصة ، وإنما بعدد المرات التي اختار فيها أن يكون صادقاً حين كان يستطيع أن يكذب .
لهذا سألتُ نفسي :
هل أقبل تكريماً لم أبذل من أجله جهداً ؟
هل أضع اسمي على شيءٍ لا أشعر أنه يشبهني ؟
هل أحتفظ بلقبٍ يصفق له الناس بينما أشعر أنا في داخلي أنه أكبر مني ؟
كانت الإجابة مؤلمة … لكنها كانت صادقة .
لا
سأرفض .
ليس لأن التكريم قليل القيمة …
ولكن لأن قيمة اسمي عندي أكبر من أن أضعه على شيءٍ لا أستحقه .
سأرفض أن أكون نجمةً مصنوعة من الوهم وأختار أن أكون كاتبةً تصنع طريقها ولو كان طويلاً .
سأختار أن أتعب .
أن أتعلم .
أن أخطئ .
أن أُعيد المحاولة .
أن أكتب نصاً لا يصفق له أحد ، لكنني حين أقرأه أشعر أنني كنت صادقة .
فما أريده ليس أن يقول الناس :
“انظري كم هي مشهورة"
بل أن يقولوا يوماً :
“انظري كم كانت صادقة"
أنا لا أريد نجوميةً تُمنح لي .
أريد أثراً أستحقه .
لا أريد منصةً ترفعني للحظات .
أريد كلمةً تبقى بعد أن تنطفئ الأضواء .
لا أريد شهادةً تعلق على جدار .
أريد أن أترك شيئاً في قلب إنسانٍ قرأني ذات يوم وشعر أن كلماتي لم تمر عليه عبوراً .
فالنجومية الحقيقية ليست أن يصفق لك الناس وأنت على المنصة …
النجومية الحقيقية أن تبقى واقفاً أمام نفسك حين ينفض الجميع من حولك .
أن تنام وضميرك هادئ .
أن تنظر إلى قلمك فلا تخجل منه .
أن تعرف أن كل حرفٍ كتبته خرج من مكانٍ صادق فيك .
وأن تقول لنفسك :
لم أصل لأن أحداً منحني مكاناً …
وصلت لأنني استحققت مكاني .
وفي النهاية … أدركتُ أن أجمل تكريمٍ يمكن أن يحصل عليه الكاتب ليس شهادةً، ولا درعاً ، ولا صورةً تحت الأضواء .
أجمل تكريم …
أن يظل اسمه نظيفاً .
وقلمه صادقاً .
وقلبه مطمئناً .
وأن يستطيع حين يخلو بنفسه، أن يقول :
“لم أبع قلمي من أجل نجمة …
لأنني كنت أعرف أن النور الحقيقي لا يُشترى"
فقد تنطفئ كل الأضواء …
لكن الحقيقة لا تنطفئ .
وقد ينسى الناس التصفيق …
لكن الضمير لا ينسى .
وقد تسقط كل الألقاب …
ويبقى اسم الإنسان .
ولهذا اخترتُ أن أكون إنسانةً تستحق اسمها …
قبل أن أكون نجمةً يعرفها الناس .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أحيانًا نصل إلى المنصة، نُكرَّم، تُلتقط لنا الصور، وتُقال في حقنا كلمات جميلة… لكن كل ذلك يظل بلا معنى إذا كنا في داخلنا نعرف أننا لم نستحقه.
النجاح الحقيقي ليس في أن يراك الناس كبيرًا، بل في أن تستطيع أن تنظر إلى نفسك في هدوء وتقول: لقد تعبت، وحاولت، وأخطأت، وتعلمت، ووصلت دون أن أخون الحقيقة.
وأجمل ما في المقال أن الكاتب لم يجعل النجومية غاية، بل جعل الصدق مع النفس هو التكريم الأعظم.
فالشهادة قد تُعلَّق على الحائط، والصورة قد تُنسى، والتصفيق قد ينتهي…
لكن أن يبقى اسم الإنسان نظيفًا، وقلمه صادقًا، وضميره مطمئنًا… فذلك هو المجد الذي لا يسقط.
مقال يضع المرآة أمامنا جميعًا، ويسألنا السؤال الأصعب: هل نحن فعلًا نستحق ما نحتفل به؟
أضف تعليقك