بين العبقرية والجنون
يصرخ ذلك الفتى اليافع على غير عادته بوجه أبيه : أريد حقيبة مدرسية لي تخصني انا فقط لا أتقاسم حملها مع أخي يوماً بعد يوم ، يا أبي أريد قرطاسية لي أقلامي ممحاتي مسطرتي ادواتي الهندسية لي وحدي ولا أريد تقاسمها مع أحد ، يصرخ ويصرخ ويصرخ ثم يعود لهدوئه مجددا بعد أن انهك من الصراخ ، يحاول بتغيير نبرة صوته أن يقنع اباه انه يستحق ذلك ، يا أبي انا عبقري أنا ذكي جدا أقسم بالله أني أستحق ، سأثبت لك ذلك .
يبحث يستخدم القاموس ، يحفظ ، يتدرب على النطق بطريقة صحيحة ، ويكرر المحادثات إلى أن يتقنها ، يحاور معلميه يغلبهم ، يتفوق عليهم ، ثم مدير المدرسة الثانوية التي كان الأذكى بين طلبتها ، ثم اي قادم الى ذلك البيت المتواضع في إحدى دول الخليج يبرع باللغة الإنجليزية ثم الفيزياء ، لدرجة أن لا أحد يتفوق عليه بكم المعلومات أو طريقة القائها ...
كان ذلك الفتى المدعو رشاد قد فاقت عبقرتيه التصور ، لكن ذلك لم يغير من طبع البخل عند ذلك الاب القاسي الجاف الملامح والوجدان ، كان الأب لا يأبه بأبنائه ولا متطلباتهم ، كان همه الأوحد أن يجمع أكبر مبلغ من المال ، وبرغم عمله كمدرس في إحدى دول الخليج وكان العائد المادي من تلك الوظيفة كاف للحياة بطريقة كريمة ،إلأ إن طبع البخل قد غلبه ودمر بيتا باكمله ....
بدأت علامات التدهور النفسي تظهر على الشاب رشاد ولكن لا حياة لمن تنادي ...أمعن الاب بالتعنت بالبخل وبدأ الفتى يطلق العنان لخياله لإقناع الأب بقدراته الخارقة. ....
يقول الفتى رشاد : أبي لقد أنهيت مرحلة دراسة الطب لا بد أن أجري عملية جراحية لنفسي ويقرر ذلك فعلا ويبحث عن أحد المقصات في ذلك البيت ويقوم بقص أحد شرايين يديه ويشاء رب العزة أن يسلم الفتى وينجو من تلك الفعلة الشنعاء بلطف الله الخفي ....
يمعن الأب في قسوته وتشتد رغبة الفتى لإثبات عبقريته في إقناع
الأب بأن البيت يلزمه مروحة هوائية في درجات حرارة تتجاوز الخمسين أحيانا
وأن شرب الماء المثلج من الثلاجة التي لا يملكونها هو أحد الحلول بعد شرب الزيت المعد للطبخ في درجات الحرارة المخيفة وذلك الصيف الممعن في تعذيب تلك العائلة .
إستمر ذلك الفتى على هذا الاسلوب المتعب في استدرار شفقة الأب والأب لا يأبه ابدا بمعاناة تلك الأسرة المكونة من ثلاثة أبناء وإبنتين والأم التي كان ينحصر دورها فقط بأعمال البيت من طبخ وغسيل ، ثم التنظيف بعد الطبخ وتناول الطعام ثم طي الغسيل بعد غسله ، وكان الكي للملابس من الجرائم اذ يعد اقتناء المكواة في ذلك المنزل من الكبائر ...
سائت الامور تدريجيا مع مرور الوقت ، اذ اصبح ذلك الفتى يميل للعنف في كثير من الأحيان وأصبح ذهابه إلى الطبيب النفسي حاجة ملحة وأمراً لا بد منه لتلافي الأسوأ، وبدا الأمر على أنه مرض نفسي رسمي يذهب الأب إلى الأطباء النفسيين والمستشفيات ليحافظ على هدوء ذلك الفتى لكيلا يصدر أي أذىً منه إتجاه إخوانه أو أي من المحيطين ..
لم تنتهي الحكاية هاهنا بل بدأت بأن هذا الفتى قدصنف رسمياً بالمجنون يتوجب عليه مغادرة المدرسة وكان الأول في الترتيب الأكاديمي على مستوى المدرسة كاملة ،ثم بدأت المعاناة بأن أصبح أي مطلب لديه يجب أن يلبى بأي طريقة وبأي ثمن وإلا فإن الصراخ والتكسير هما البديل ، وأصبح الأب مرغماً على التنقل به بين الأطباء النفسيين ، مع الرفض التام من الجهات الرسمية إيداع الفتى لأي مستشفى للأمراض العقلية إذ أن ما يعانية صنف بمرض نفسي وليس عقلي ...
مرت الأيام والسنين وقد خلت بالنسبة إليه إلا من حياة رتيبة خالية من أي معنى للحياة إلا من مقومات البقاء فقط من أكل وشرب ، حرمان من المدرسة ثم الحرمان من البشر ورؤيتهم إلا من أقرب المقربين من الدرجة الأولى ، إذ من الذي يجرؤ على دخول بيت فيه شاب قد يثور في أي لحظة ولاتفه سبب ، نتيجة البخل الشديد من قبل ذلك الأب الذي كان من المفروض أن يكون رمزاً للعطاء والإنفاق وقد ملك من المال الكثير ، ولم يكن معوزاً أو فقيراً تمنعه قلة ذات الحيلة من أن يوفر لأفراد أسرته الأساسيات التي لا غنىً عنها في كل الأسر التي كانت تقيم بالخليج ، فقد كانت تلك الأسر تحوز على قدر من الرفاهية بحكم أموال النفط التي لم تكن تذهب لتمويل الحروب كما هو الحال الآن ...
أمضى ذلك الشاب رهين المحبسين كما يقال حبس المنزل وحبس المرض ، لا يملك من الحياة العادية إلا بعض الدفاتر يمارس فيها تفريغ عبقريته بماديتي الإنجليزي والفيزياء ثم ما يبقيه على قيد الحياة من أكل وشرب إلا أن توفاه الله في سن الخامسة والخمسين بعد عمر استمر ما يقارب الأربعين عاما برفقة المعاناة الشديدة وأم لم تكن تملك الشجاعة لتحقيق أبسط الحقوق لاطفالها ...
أيها الآباء كونوا رمزاً للعطاء بكل ما تملكون إذ ما خلقنا الله إلا لنعمر الأرض بكل أسباب الحياة ، وهي دورة لكل حي فمثلما أعطاك أباك أسباب الحياة فلتعط إبنك ، وإبنتك ، وإخوانك وكل من حولك ولتكن البداية من والديك اللذين هم سبب حياتك ووجودك ...
الحياة قصيرة مهما طالت ولا بد من الإنتقال يوماً ما إلى دار البقاء والتخلص من كل أسباب الشقاء ، فلا تضف إلى حياتك كمدا مع كمدها منذ خلقت ، وليكن العطاء سيمة في شخصيتك ولتدرك تماما بكل يقين أن العوض لدى خالق الكون أكبر وأعظم من كل توقعاتك ...رحمك الله أيها الفتى العاقل النبيل ....
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك