من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هل الكون أزلي ؟

خالد بيومي
هل الكون أزلي ؟



الكون بين الأزل والنشأة: ماذا يقول العلم وماذا يقول الدين؟


يظل السؤال عن أصل الكون وعمره واحدًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا في تاريخ الفكر الإنساني، إذ يتقاطع فيه العلم مع الفلسفة والدين في محاولة للإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره: هل كان الكون موجودًا دائمًا، أم أن له بداية؟

الرقم القياسي: 13.8 مليار سنة... لكنه محل جدل

وفق النموذج الكوني القياسي المعتمد على بيانات القمر الصناعي "بلانك" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، فإن عمر الكون يُقدَّر بـ13.787 مليار سنة مع هامش خطأ لا يتجاوز 20 مليون سنة،استنادًا إلى قياس الإشعاع الكوني الخلفي، وهو "صدى" الانفجار العظيم المتبقي في الفضاء.

غير أن هذا الرقم الذي بدا راسخًا لعقود أصبح في قلب نقاش علمي محتدم. فالمشكلة تكمن فيما يُعرف بـ"توتر هابل" (Hubble Tension)، وهو تناقض بين طريقتين لقياس معدل تمدد الكون: الأولى تعتمد على الإشعاع الكوني الخلفي وتعطي قيمة معينة، والثانية تعتمد على قياسات محلية لنجوم "قيفاوية" ومستعرات عظمى قريبة نسبيًا، وتعطي قيمة أعلى بنحو 9% عن القيمة الأولى.

هذا التناقض ليس تفصيلاً هامشيًا؛ فبحسب دراسة حديثة، إذا صحّ النموذج الكوني القياسي المعتمد على بيانات الإشعاع الكوني، فعمر الكون نحو 13.8 مليار سنة، أما إذا كان معدل التمدد المقاس محليًا هو الصحيح طوال تاريخ الكون تقريبًا، فإن عمر الكون سيكون أقل من ذلك، بين 12.5 و12.9 مليار سنة. (Phys.org)

تلسكوب جيمس ويب يعمّق اللغز بدل حسمه

كان يُؤمل أن يحسم تلسكوب جيمس ويب الفضائي هذا الجدل، لكنه في الواقع عمّقه. فبفضل دقته التي تفوق تلسكوب هابل بأربع مرات، أكد ويب أن قياسات الكون القريب لا تتأثر بازدحام أو تربة غبارية في الحقول النجمية، وهو ما أغلق أحد أكثر التفسيرات المطروحة لتبرير التناقض. (Theuniverseepisodes) وفي كلمة له خلال اجتماع الجمعية الفلكية الأمريكية في يناير 2025، وصف عالم الفيزياء الفلكية دان سكولنيك هذا التناقض بأنه "أزمة" علمية حقيقية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي ديسمبر 2025، جاءت دراسة مستقلة استخدمت تقنية "التأخير الزمني" لضوء الكوازارات المنعكس بفعل الجاذبية (Gravitational Lensing)، لتدعم فرضية معدل التمدد "المحلي" الأسرع، ما زاد الغموض تعقيدًا بدلاً من حسمه.

في المقابل، جاءت دراسة جديدة نُشرت في يوليو 2026 بقيادة الباحث إندرانيل بانيك من جامعة بورتسموث البريطانية، اعتمدت على تحليل أعمار أكثر من 155 ألف نجم في مجرة درب التبانة، لتخلص إلى أن أقدم نجم مرصود يبلغ عمره نحو 13.73 مليار سنة (بهامش خطأ يتراوح بين +0.18 و-0.15 مليار سنة)، في نتيجة تدعم النموذج الكوني القياسي وتقترب من رقم الـ13.8 مليار سنة المعروف.

ما الذي كان "قبل" الانفجار العظيم؟

يبقى السؤال الأعمق بلا إجابة حاسمة: هل كان هناك "قبل" أصلاً؟ فالفيزياء الحديثة تشير إلى أن الزمن نفسه، بالمعنى الذي نفهمه، بدأ مع تمدد الكون من حالة شديدة الكثافة والحرارة في لحظة الانفجار العظيم، ما يجعل السؤال عن "ما قبل" ذلك سؤالاً قد لا يكون له معنى فيزيائي واضح ضمن الأطر النظرية الحالية.

ومع ذلك، يطرح الفيزيائيون عدة فرضيات لتفسير ما وراء هذه اللحظة، منها:

أن الكون المرصود بدأ فعليًا من العدم الفيزيائي مع الانفجار العظيم.

أن كوننا الحالي قد يكون نتاج انهيار كون سابق أو "ارتداد" كوني.

نظرية الكون الدوري، القائلة بأن الكون يمر بدورات متعاقبة من التمدد والانكماش.

فرضية "الأكوان المتعددة" (Multiverse)، التي تفترض أن كوننا مجرد "فقاعة" واحدة ضمن نسيج أوسع من الأكوان الموازية.

وتبقى جميع هذه الفرضيات، كما يؤكد علماء الكون، غير قابلة للاختبار التجريبي المباشر حتى الآن، ما يجعلها أقرب إلى نماذج رياضية طموحة منها إلى نظريات مؤكدة.

البُعد الديني: الكون مخلوق وليس أزليًا

في المقابل، تحسم العقيدة الإسلامية هذا السؤال من زاوية مختلفة تمامًا؛ إذ تؤكد أن الكون بجميع مكوناته مخلوق أوجده الله عز وجل بإرادته وقدرته، وليس أزليًا بذاته. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (سورة الزمر: 62)، في تأكيد على أن الألوهية والأزلية المطلقة لله وحده، بينما كل ما سواه – بما فيه الكون بأكمله – حادثٌ ومخلوق له بداية.

خلاصة: تكامل لا تناقض

يخلص المراقبون لهذا النقاش إلى أن العلم والدين يجيبان عن سؤالين مختلفين وإن بدا ظاهرهما واحدًا: فالعلم يسعى للإجابة عن "كيف" تطور الكون وتشكّل عبر الزمن، بينما يجيب الدين عن "من" أوجد هذا الكون ولماذا. ورغم أن العلم الحديث لا يزال بعيدًا عن حسم لغز عمر الكون بدقة تامة بفعل "توتر هابل"، فإن جميع النماذج العلمية المطروحة تتفق على نقطة جوهرية واحدة: أن للكون المرصود بداية، ولم يكن أزليًا موجودًا منذ الأبد.


#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10676
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.