من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الخلاف بين ترامب ونتنياهو: هل تغيّرت أوراق اللعبة في المنطقة؟

خاص : " نقاش "
الخلاف بين ترامب ونتنياهو: هل تغيّرت أوراق اللعبة في المنطقة؟



مقدمة


منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الماضي، بدت العلاقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نموذجاً للتحالف المتماسك: دعم أمريكي مطلق للعمليات العسكرية في غزة، وموقف موحّد من الملف الإيراني. لكن مع دخول هذا التحالف شهره الثامن، تكشّفت شقوق متتالية لم تعد تُخفى، ولم تعد تُختزل في خلافات "تكتيكية" كما وصفها نتنياهو نفسه، بل باتت تمسّ صلب الاستراتيجية في ثلاث جبهات متشابكة: إيران، لبنان، وغزة.

إيران: من الضربة الحاسمة إلى التفاوض

كان نتنياهو يرى في الملف النووي الإيراني فرصة تاريخية لتوجيه ضربة استراتيجية تُنهي البرنامج نهائياً، بينما مال ترامب دوماً نحو صفقة تُبعد شبح التسلح النووي دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. هذا التباين ظهر بوضوح حين أعلن ترامب تعليق ضربة جوية واسعة كانت مقررة ضد أهداف إيرانية، مكتفياً بالقول إن "إسرائيل تشاركني هذا الالتزام" - تصريح لم يقابله أي تعليق فوري من نتنياهو، الذي كان يعوّل على زيارته الأخيرة للبيت الأبيض لإقناع ترامب بالموقف الإسرائيلي. المفارقة أن نجاح نتنياهو سابقاً في دفع واشنطن نحو تصعيد عسكري واسع تحوّل، من وجهة نظره ونظر شريحة من الرأي العام الإسرائيلي، إلى نصر "منقوص" بعد أن أوقفه ترامب في منتصف الطريق.

لبنان: توبيخ علني نادر

في واقعة لافتة، كشف ترامب نفسه أنه "زجر" نتنياهو خلال مكالمة هاتفية بسبب تصعيد إسرائيل المستمر في لبنان، قائلاً إنه شعر بـ"انزعاج" من "معاركة نتنياهو الدائمة مع لبنان". الضربات الإسرائيلية المتكررة، بما فيها التهديد بقصف بيروت، وضعت المفاوضات الأمريكية-الإيرانية على المحك، بعدما لوّحت طهران بالرد عسكرياً على التصعيد في لبنان. نتنياهو من جهته يتمسك بإبقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة ويرفض الانسحاب من مواقع جنوبي لبنان، في وقت تضغط فيه واشنطن - عبر قيادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) - لإغلاق الجبهات الثلاث دفعة واحدة.

غزة: الرفض العلني لخطة واشنطن

الأكثر حدة كان الموقف من خطة السلام الأمريكية المكوّنة من خمس عشرة نقطة بشأن غزة، والتي وافقت عليها حركة حماس من حيث المبدأ. أعلن نتنياهو رفضها علناً، مشترطاً أن يكون نزع سلاح حماس "حقيقياً لا صورياً"، وأن الجيش الإسرائيلي "لن ينسحب على الإطلاق" قبل تحقيق ذلك. الخطة الأمريكية تربط بين ثلاثة مسارات متتالية: نزع السلاح، الانسحاب، ثم انتقال الإدارة - وهو تسلسل يرفضه نتنياهو لأنه، كما يرى مراقبون إسرائيليون، يُخرج من يده ورقة الضغط الرئيسية على الأرض. في المقابل، رحّب متشددون في حكومته، وعلى رأسهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بالرفض، مؤكدين أن الجيش "لن يتراجع ولو مليمتراً واحداً".

البعد الانتخابي: عامل لا يمكن تجاهله

يصعب فهم مواقف نتنياهو الأخيرة بمعزل عن استحقاق 27 أكتوبر المقبل، موعد انتخابات الكنيست التي ينظر إليها كاستفتاء مباشر على زعامته بعد نحو عقدين متقطعين في السلطة. استطلاعات الرأي الإسرائيلية تُظهر تقدّم منافسين بارزين، أبرزهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، إلى جانب نفتالي بينيت ويائير لبيد. في هذا السياق، يجد نتنياهو نفسه بين مطرقة الضغط الأمريكي وسندان معسكره اليميني المتشدد داخل الائتلاف الحاكم، ما يجعل أي تنازل ميدانياً يُقرأ سياسياً كضعف قبل صناديق الاقتراع.

هل تغيّرت أوراق اللعبة؟

المعطيات الحالية تشير إلى أن قدرة نتنياهو على "امتصاص" غضب ترامب - كما فعل مراراً في الماضي عبر تأكيد "الصداقة الاستراتيجية" بين الجانبين - باتت محدودة أكثر من أي وقت مضى. فمن ناحية، أضعفت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتتالية إيران وحلفاءها الإقليميين، ما قلّص الحاجة الأمريكية إلى نتنياهو كوسيلة ردع وحيدة. ومن ناحية أخرى، فإن أولوية ترامب باتت مرتبطة بتسويق "إنجاز سياسي" في غزة يخدم صورته كصانع سلام، وهو ما يتعارض مباشرة مع رغبة نتنياهو في إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة حتى الانتخابات.

في المقابل، يملك نتنياهو أوراقاً لا يستهان بها: الدعم الشعبي الإسرائيلي الواسع لمواقفه المتشددة، وتحالفه مع اليمين المتشدد الذي يُبقي حكومته قائمة، إضافة إلى دعوة ترامب المتكررة إلى منحه عفواً عن قضايا الفساد المنسوبة إليه - وهو ما يمنح نتنياهو هامش مناورة سياسي لم يفقده بعد بالكامل.

ختاما 

الخلاف بين الرجلين لم يعد شخصياً بقدر ما هو خلاف على من يملك "مفاتيح" القرار في المنطقة: رئيس أمريكي يريد الاحتفاظ وحده بأوراق الحرب والتسوية، ورئيس وزراء إسرائيلي يحتاج غطاءً أمريكياً كاملاً قبل استحقاق انتخابي مصيري. وبين هذين الحسابين المتقاطعين، يبدو أن أوراق اللعبة الإقليمية - إيران ولبنان وغزة - لم تعد تُدار بمنطق التحالف الأعمى، بل بمنطق المصالح المتغيرة لكل طرف، وهو ما سيحدد شكل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية في الأشهر المقبلة أكثر من أي بيان مشترك عن "الصداقة العظيمة".

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10686
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.