من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الشاعر المُداوي

بقلم: صلاح الدين عثمان
الشاعر المُداوي


مدخل

الدكتور علي دفع الله شبيكة علي، أوّل من امتهن الصيدلة في السودان، جمع بين العقاقير والأشعار، فصار لسانه دواءً، وقلمه وصفةً، وحروفه بلسمًا يسكب على الجراح.     

إنّه الشاعر الذي يداوي الأرواح كما يداوي الأجساد، فيمزج بين العلم والوجدان، ليُثبت أنَّ الشعر نفسه علاجٌ، وأنَّ الكلمة قد تكون أحيانًا أنجع من الدواء.


النص الشعري


شُفْتَكْ وَابْتَهَجْتَ..

وِينْ يَا غَالِي إِنْتَ

نِحْنَا الزَّمَن شَقَانَا..

وإِنْتَ زِي مَا إِنْتَ


لِسَّهْ خُطَاكَا تَسْرِي..

فِي تَقَاسِيمْ جَمِيلَة

وإِنْتَ زِي مَا إِنْتَ..

قَبْلِ سِنِينْ طَوِيلَة


تِقُولْ مَا رِدْتَ أَصْلَكْ..

وَلَا سَاهَرْتَ لَيلَة

بَسْ مُرّ اللَّيَالِي..

خَلَّى الْعِينْ كَحِيلَة


شُفْتْ بَسِيمُو يَضْوِي..

فِي ضَحْكَاتُو لَألَأ

وَلِسَّهْ عُيُونُو نَاعِسَة..

فِي أَحْضَانْ هِلَالَا


وَنَفْسْ الْخُصْلَة نَازِلَة..

يِحْكِي النَّسِيمْ دَلَالَا

وَسُبْحَانْ الْمُصَوِّر..

أَبْدَعْ فِي جَمَالَا


مَرْحَبْ بَى رَبِيعْنَا..

اللِّيهُو زَمَن جَفَانَا

وَأَهْلًا نُورْ عُيُونَا..

السَّابْنَا بَعَدْ سَبَانَا


أهَا وَكِيفْ نَاوِي تِعْمَلْ..

فِي قُلُوبْنَا وَحَنَانَا؟

بَعَدْ مَا جِيتْ لَقِيتْنَا..

حَافِظِينْ الْأَمَانَة.


 تأويل النص:


اللقاء والابتهاج

 "شُفتك وابتَهجت... وين يا غالي إنت"  

الطلعة الأولى كأنّها نسمةٌ تُزيح غبار العمر، فالعين حين تقع على المحبوب تُشرق، ويُولد في القلب ربيعٌ جديد.           

ليس النظر هنا مجرّد فعلٍ عابر، بل هو دواءٌ يُسكب في الروح، فيُعيد إليها بهجتها المفقودة.


الزمن والوفاء

"نحن الزمن شقانا.. وإنت زي ما إنت"   

الزمن يجرح ويُرهق، لكنّ صورة الحبيب تبقى ثابتة، كجذعٍ لم تهزّه العواصف.        

هنا يضع الشاعر المحبوب في مقام البلسم، الذي يقاوم قسوة الأيام، ويُبقي الجمال حيًّا رغم تغيّر كل شيء.


الخطى والملامح

"لسه خطاك تسري.. في تقاسيم جميلة"   

الخطى ليست حركةً على الأرض، بل أثرٌ في الملامح، كأنّ الحبيب يمشي في وجهه وضحكته. كل تقاسيمه تحمل بصمة الماضي، وتُعيد للذاكرة صورًا لم تبهت، كوشمٍ لا يمحوه الزمن.


ثبات الصورة وغياب المشاركة

"وإنت زي ما إنت.. قبل سنين طويلة

تقول ما ردت أصلك.. ولا ساهرت ليلة"

هنا يضع الشاعر المحبوب في مقامٍ ثابت، لم يتغيّر رغم مرور السنين، لكنّ هذا الثبات ليس فضيلةً خالصة، بل يُقابله عتابٌ خفي: إنت كما إنت، لم تُشاركنا السهر، لم تُقاسمنا الوجد، وكأنّك بقيت بعيدًا عن نار الهوى التي أحرقتنا.      

الكلمات تحمل في طيّاتها لومًا رقيقًا، كأنّها تقول: الحبّ ليس حضورًا صامتًا، بل مشاركةٌ في السهر والحنين.


أثر الليالي على العيون

"بس مر الليالي.. خلّى العين كحيلة"

الليالي وحدها هي التي تركت أثرها، فالعين غدت كحيلة من طول الانتظار.          

هنا تتحوّل العين إلى مرآةٍ للوجع، تحمل آثار الغياب كما تحمل آثار السهر.  

إنّه تصويرٌ بديع: الزمن نفسه صار خصمًا، يترك بصماته على الجسد والروح، بينما الحبيب ظلّ بعيدًا، لم يشارك في مرارة الليل ولا في وجع العيون.

 

الضحكة والضياء

"شُفت بسيمو يضوي. في ضحكاتو لألأ"   

الضحكة هنا ليست صوتًا فحسب، بل نورٌ يتوهّج، يبدّد العتمة، ويُعيد للروح طاقتها.  

الضحك دواءٌ، والبسمة مصباحٌ يُضيء الطريق، كأنّها وصفةٌ تُنعش القلب وتُسكب فيه حياةً جديدة.


العين والخصلة

"ولسه عيونو ناعسة... في أحضان هلالا

ونفس الخصلة نازلة.. يحكي النسيم دلالا"  

العين الناعسة تستريح تحت قوسٍ يشبه الهلال، كأنّ الحاجب ذراعٌ يحتضنها بحنوٍّ سماوي. المشهد يفيض بالسكينة، حيث يلتقي نور العين بصفاء الهلال، فيولد جمالٌ يذكّر بليلة مقمرة، ينساب فيها النسيم كهمسٍ من دلال.         

والخصلة النازلة حكايةٌ للنسيم.           

الجمال هنا لغةٌ تُخاطب الحواس، لا صورةً جامدة، بل بلسمٌ يهدّئ الوجع، ويُعيد للإنسان صفاءه.


الجمال والربيع

"سبحان المصوّر... أبدع في جمالا

مرحب بي ربيعنا.. الليهو زمن جفانا"  

الجمال يُنسب إلى الله المصوّر، فيتحوّل إلى آيةٍ من آيات الخلق.            

ثم يُستقبل الحبيب كربيعٍ جديد، يبدّد جفاف العمر، ويُعيد الخصب إلى أرضٍ أجدبتها الأيام.


العودة والنور

"وأهلاً نور عيونا.. السابنا بعد سبانا"   

 يظهر الحبيب هنا كضوءٍ يبدّد العتمة، وكربيعٍ ينهض بعد جدبٍ طويل.   

إنّه رجوعٌ يفتح أبواب القلب، ويذيب ما تراكم من عتاب في دفء اللقاء، كأنّ الغياب لم يكن إلا امتحانًا لصدق الحنين.

العبارة تحمل في طيّاتها مفارقة عاطفية عميقة: فهو الذي ترك وأوجع، وهو ذاته الذي أسر القلوب بسحره، فجعلها أسيرةً لضيائه.          

الغياب كان فراغًا موجعًا، والأسر كان قيدًا من الهوى، والعودة هي انعتاقٌ من الاثنين معًا، إذ يشرق النور في الروح ويعيد إليها توازنها بعد أن أنهكها القيد والتشرّد.

النور الذي يصفه الشاعر ليس نور العين وحدها، بل إشراق الوجدان كلّه، نورٌ يبدّد وحشة الغياب، ويجمع ما تفرّق، ويعيد للروح حياتها التي كادت أن تُبدّدها قيود الغياب وضياع الحنين.


الأمانة والحنان

"أها وكيف ناوي تعمل... في قلوبنا وحنانا؟

بعد ما جيت لقيتنا.. حافظين الأمانة"

هنا يفتح الشاعر بابًا من الحوار الداخلي، كأنّه يُسائل الحبيب عن نيّته بعد أن عاد.  

السؤال ليس استفهامًا عابرًا، بل رجفة قلبٍ يتطلّع إلى معرفة المصير: ماذا ستفعل بهذا الحنان الذي ظلّ محفوظًا؟ كيف ستتعامل مع الأمانة التي بقيت في القلوب رغم الغياب؟

إنّها لحظة مواجهة رقيقة، يُلقي فيها العاشق على محبوبه عبء الاختيار، ويضعه أمام كنزٍ من المشاعر التي لم تُبدّدها السنين.         

الكلمات تنساب كأنّها امتحانٌ للوفاء، تُذكّر بأنّ الحبّ ليس وعدًا يُقال، بل عهدٌ يُحفظ، وحنانٌ يُنتظر أن يُردّ إلى صاحبه.


خاتمة: الصيدلي والشاعر: علاج الجسد والروح

رحم الله الشاعر الصيدلي علي دفع الله شبيكة لم يكن مجرّد صيدليٍّ يوزن العقاقير، بل كان صاحب قلبٍ يسكب الكلمات كما تُسكب الأدوية في كفّ المريض.       

وحين يلتقي الدواء بالقصيدة، يصبح الإنسان في حضرة علاجٍ مزدوج، يخفّف عنه ثِقَل الحياة ويمنحه سكينةً لا تُشترى.


 الإسكندرية 18 أغسطس 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10689
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.