بين ليلة طمليه وحرباء تشيخوف
يقترب الروائي أحمد طمليه في روايته "ليلة واحدة فقط" (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،2026) من عالم تشيخوف السردي من حيث اعتماده على حدث عادي بسيط، لا ينتبه إليه ولا يهتم به أحد، فيمضي السرد فيما يشبه البحث الأدبي الاستقصائي عن جذوره وتفريعاته؛ حتى يكتشف القارئ ما يختفي وراءه.
تنبني رواية طمليه على حدث مركزي، وهو أن بطل الرواية أحمد يُستدعى إلى التنفيذ القضائي في قضية رفعها بنك، لم تذكر الرواية اسمه، مع أنها تضج بالأسماء الحقيقية، ويصدر الأمر بزجه في السجن؛ فالمطلوب منه ثلاثمئة وخمسة وستون دينارًا، لإطلاق سراحه؛ لأنه كفل امرأة مسكينة؛ ليسمح لها البنك في الحصول على قرض؛ لتغطية مشكلة تورط فيها ابنها، فعندما لم تستطع أن تدفع بقية الأقساط طالب البنك أحمد بالمبلغ بوصفه كفيلها.
في المقابل توجد قصة قصيرة لتشيخوف عنوانها " الحرباء"، وردت في مجموعة من القصص، التي ترجمها عودة القضاة بعنوان "الطارة". تقوم القصة على حدث بسيط، هو أن كلبًا عض يد حداد، فيصرخ ويملأ صراخه السوق، ويأتي ضابط الشرطة ومساعده للوقوف على الأمر، يسمع الضابط شكوى الحداد، فيهدد بأنه سيعرف صاحب الكلب ويقتص منه؛ فلا يجوز أن يطلق كلبه في السوق ليؤذي الناس، ولكنه يتراجع عندما يعرف أن الكلب، هو كلب جنرال ويضع الحق على الحداد؛ لأنه أثار الكلب فعضه. ثم عندما يأتي من يخبره بأن الكلب ليس للجنرال ينقلب موقفه، ويهدد من جديد بأنه سيعرف من صاحب الكلب ويعاقبه. ثم في النهاية يعلم أن الكلب إنما هو لمسؤول كبير فيعود ليوبخ الحداد من جديد، ويحمله مسؤولية الإساءة إلى الكلب المسكين.
هكذا يكشف تشيخوف فساد رجال الحكم في روسيا القيصرية، وسيطرتهم على شؤون الناس، من خلال تقديم تفاصيل واقعية لحدث صغير، هو عضة كلب لإنسان فقير في سوق عام.
وعودة إلى رواية طمليه نجد أن بطلها أحمد، الذي فيه ملامح من مؤلفها يغرق في الحديث عن استدعائه يوم أربعاء لقصر العدل في عمان وسجنه، ثم عن صداقته لعبد الناصر زميله في المؤسسة، التي يعمل فيها، وهو الوحيد الذي أعلمه باستدعاء الشرطة له عندما مر به في مكتبه بمرافقة الشرطي. ويُمضي أحمد الوقت في انتظار صاحبه عبد الناصر؛ ليدفع الكفالة في المحكمة، ويطلق سراحه قبل نهاية دوام يوم الخميس؛ حتى لا يمدد اعتقاله إلى بداية الأسبوع، لأن القضاء لا يعمل يومي الجمعة والسبت.
بخلاف قصة تشيخوف، تكتفي رواية "ليلة واحدة فقط" لطمليه بسرد تفاصيل الحياة في السجن، والحديث عن حياة البطل في الخارج، وعلاقته بفتاة أحبها، وتركها له، وزواجها من رجل ثري، ثم عن علاقته بأصدقائه، وبخاصة عبد الناصر، والفنان الموسيقي وليد، الذي قدم المال لعبد الناصر ليسدد الكفالة. في النهاية يُطلق سراحه بعد ليلة واحدة قضاها في السجن، كما يتبين من عنوان الرواية.
نلاحظ بأن الرواية لا تنتقد أحدًا إلا المرأة التي كفلها أحمد وابنها، إنها تهادن الجميع، بل وتمتدح وساطة عبد الناصر لمسؤولين كبار؛ كي يعامل صديقه في السجن معاملة خاصة إلى أن يتمكن من تدبير قيمة الكفالة، ويسوغ للمؤسسة التي يعمل فيها قبول الواسطة. ويساير البطل الواقع فيخجل مما جرى له، ويسعد لأن صديقه عبد الناصر لم يُعلم زملاءه في المؤسسة بذلك، مع أن عمله مع المرأة يدعو إلى الفخر؛ بما يتصف به من نخوة ومروءة.
هكذا فإن طمليه في رواية "ليلة واحدة فقط" يشترك مع تشيخوف في الاهتمام بالواقع والتفاصيل الصغيرة، كما ظهر في قصته القصيرة" الحرباء". لكن الأديبين يختلفان فيما يقولانه بوساطة هذه التقنية. طمليه يهادن الواقع، ويصف الشرطي الذي قاده إلى السجن بالإنسان الطيب واللطيف، ويجامل المؤسسات التي أدخلته السجن، ولم تقدر عمله الجميل، أو تتعاطف مع المرأة الفقيرة، التي استدانت المال من البنك. أما تشيخوف فيكشف بجرأة من خلال حدث صغير وتفاصيل كثيرة ما في الواقع من عيوب، وما يتصف به رجال السلطة القيصرية من فساد، وتقلب في المواقف.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك