أسوشيتد برس: اتّساع تهريب السلع إلى غزة يتحول إلى تجارة بملايين الدولارات..
اقتصاد الظل في غزة: حين يتحول الحصار نفسه إلى مصدر للتربح
في قطاع تحاصره سياسات الاستيراد الصارمة منذ ما يقارب ثلاث سنوات، نشأ نظام اقتصادي موازٍ لا يظهر في أي إحصائية رسمية، لكنه بات - بحسب تحقيق استقصائي لوكالة أسوشيتد برس اعتمد على وثائق قضائية إسرائيلية ومقابلات مع عشرات المصادر - يشكل أكثر من نصف نشاط كبار التجار في القطاع، ويُدخل إلى جيوب أطرافه المتعددة ملايين الدولارات شهرياً.
المفارقة الأساسية التي يكشفها هذا الملف ليست فقط في حجم التهريب، بل في من يستفيد منه. فالقيود المفروضة على دخول البضائع لم تمنع تدفقها، بل غيّرت فقط الثمن الذي يدفعه من يريدها - ونقلت جزءاً كبيراً من هذا الثمن من يد المستهلك الفلسطيني المُنهك أصلاً إلى جيوب شبكة من الوسطاء تمتد من الجانبين.
من يربح حين يُمنع شيء؟
أي نظام حظر صارم، حين يُطبَّق على سلع لا غنى عنها، يخلق حتماً سوقاً موازية. هذا مبدأ اقتصادي معروف، لكن ما يميز الحالة الغزّية هو اتساع دائرة المستفيدين من هذا الحظر إلى درجة تشمل - بحسب الوثائق والشهادات - جنوداً إسرائيليين نظاميين واحتياطيين، وسائقين، وعمال مستودعات، ومنسقين من الجانبين، وحتى الإدارة التي يُفترض أنها تحارب هذا الاقتصاد الموازي.
فحكومة حماس في غزة، وفق شهادات تجار ومسؤول في وزارة الاقتصاد، تتقاضى نسبة من قيمة البضائع المهربة تتراوح بين 20% إذا أبلغ عنها التاجر طواعية، و80% إذا اكتُشفت دون إبلاغ - وهو نظام يشبه إلى حد بعيد ضريبة غير معلنة على الاقتصاد غير الشرعي نفسه. مسؤولون في الإدارة قدّروا أن ما جُمع من هذا المصدر منذ الهدنة قد بلغ نحو 100 مليون دولار، خُصصت وفق تصريحاتهم لتمويل الرواتب والخدمات المدنية.
ومن ناحية أخرى، تكشف لوائح اتهام إسرائيلية نُشرت منذ أواخر 2025 عن شبكات تهريب منظمة، من أبرزها قضية تورط فيها شقيق رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، بتسلئيل زيني، الذي اتُّهم بتقاضي نحو 120 ألف دولار مقابل تهريب شحنات سجائر داخل مركبته العسكرية.
وقدّرت الوثائق أرباح إحدى الشبكات الكبرى بنحو 2.2 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر فقط قبل تفكيكها.
اقتصاد يعيد تسعير الحياة اليومية
الأثر الأوضح لهذا النظام يظهر في جيب المستهلك العادي. فبينما كانت علبة السجائر تُباع بأقل من دولارين قبل الحرب، وصل سعرها في أوج الحصار الكامل إلى أكثر من 1000 دولار - رقم دفع بعض السكان، بحسب شهادات جُمعت في التحقيق، إلى مشاركة سيجارة واحدة بين عدة أشخاص، أو استبدالها بأعشاب محلية مجففة.
الأمر لا يقتصر على الكماليات ، بطارية السيارة التي كانت تُباع بـ140 دولاراً باتت تُقايض بأكثر من 2300 دولار. والمروحة الكهربائية، في صيف غزّي خانق يعيشه نازحون في خيام، قفز سعرها من 100 إلى 500 دولار.
أما الطاقة الشمسية، التي تحولت إلى مصدر الكهرباء شبه الوحيد لكثير من الأسر، فارتفع سعر الواط فيها من 16 سنتاً إلى 3.25 دولار - أي بزيادة تفوق 1900%.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات تضخم، بل مؤشر على أن كل حلقة في سلسلة التهريب - من الجندي الذي يُغمض عينه عند نقطة تفتيش، إلى المنسق الذي يرتب الشحنة، إلى التاجر الذي يوزعها - تحصل على نصيبها من ثمن إضافي يُحمَّل في النهاية على من لا خيار له سوى الشراء.
"أبو باسل": الاسم الذي يفتح كل الأبواب
من أكثر تفاصيل التحقيق إثارة هو الإشارة المتكررة إلى شخصية واحدة يبدو أنها تقف خلف جزء كبير من شبكة التهريب: رجل يُعرف فقط باسم "أبو باسل"، وصفه الادعاء الإسرائيلي بأن له "علاقات واسعة داخل الشرطة". في واقعة موثقة بالملفات القضائية، داهمت الشرطة مستودعاً في مستوطنة بالضفة الغربية مليئاً بشحنة هواتف وسجائر متجهة لغزة، وبعد اتصال هاتفي واحد بينه وبين أحد الضباط، تم سحب الشرطة من الموقع دون اعتقال أو مصادرة.
لا أحد من مصادر التحقيق - سواء تجار تعاملوا معه مباشرة أو مسؤولون في غرفة تجارة غزة - يعرف هويته الحقيقية، أو جنسيته، أو كيف بنى شبكته. وهذا الغموض بحد ذاته يكشف طبيعة هذا الاقتصاد: نظام يعمل بكفاءة عالية بالضبط لأنه لا يخضع لأي مساءلة، ولا يملك أحد مصلحة في كشفه بالكامل.
الجيش الإسرائيلي، في رده على أسئلة الوكالة، اكتفى بالقول إنه يتعامل مع ملف التهريب "بجدية بالغة"، وإن أي حالة اشتباه بتورط عسكريين "تُعالج وفق القانون" - دون الإجابة عن تفاصيل محددة بشأن حجم تورط الجنود أو دور حكومة غزة.
في المقابل، نفى مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن تذهب أي من العائدات المحصلة على البضائع المهربة إلى الجناح العسكري لحماس، مؤكداً أنها تُوجَّه بالكامل لدعم الخدمات واستمرار عمل المرافق العامة في ظل الظروف الاستثنائية.
لكن مصادر التحقيق نفسها أشارت إلى أن الحكومة، رغم إتلافها للسلع منتهية الصلاحية المصادرة، تبيع شحنات السجائر المصادرة بدلاً من إتلافها - وهو ما لم يعلّق عليه مكتب الإعلام الحكومي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك