من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة "زفة علقم" للكاتب كرم الصباغ

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة


لسنا أمام قصة تنقل لنا صورة من السخرية فحسب ، بل تخفي وراء الحكاية أسئلة أعمق عن الرعاية والضعف ونظرة المجتمع إلى المختلف ، وعن الإنسان حين يعجز عن أداء الدور الذي يفترض أن تمنحه له صفته.


و اللافت أن الكاتب اختار لبطل قصته أن يكون راعيًا، فهذه المهنة تتجاوز الوظيفة و الدلالة ؛ فالراعي هو مَن يقود ويحمي ويصون رعيته، لكن المفارقة الفلسفية أن البطل لا يستطيع حماية  نفسه، فضلا عن حماية قطيعه، ينجح في تنظيم الأغنام بعصاه وصفيره ، ويعرف كيف يطارد الشاردة ويضبط القطيع، لكنه ما إن يعبر إلى النجع حتى تنكشف هشاشته امام مجموعة من الصبية.


وهنا تبرز فكرة شديدة العمق : الرعية أضعف دائمًا ، لذلك تحتاج إلى راعٍ ؛ لكن إذا أردت إسقاط الراعي فلا تصوب نحوه مباشرة ، بل صوب نحو رعيته، وهذا تحديدًا ما يفعله الصبية ؛ أنهم لا يكتفون بالسخرية منه ، بل يقذفون الأغنام بالحصى ، فيفزع القطيع ويتشتت، وبذلك لا يعتدون على جسده فقط، بل يضربون وظيفته ذاتها، إذ كيف يكون راعيًا إذا عجز عن رعاية مَن يرعاهم ؟!.


ومن هنا يصبح تشتت القطيع صورة موازية لتشتت الراعي من الداخل ، فالراعي الذي يفقد السيطرة على رعيته ،يفقد جزءًا من هويته،  وكأن الكاتب يقول أن السلطة الحقيقية لا تُقاس بإمتلاك العصا ، وإنما بالقدرة على توفير الأمان .


حتى الحصى يبدو اختيارًا دقيقًا ، فالكاتب لم يقل حجارة أو طوبًا ، لأن الحصى صغيرة ، وقد تبدو تافهة ، لكنها حين تتكرر تصبح مؤلمة وقادرة على إثارة الفزع والتشتيت . وهى تشبه الكلمات الجارحة التي قد تبدو عابرة في نظر قائلها ، لكنها تترك أثرًا بالغًا فيمَن يتلقاها.



ويزداد اختيار الحصى ثراءٌ حين نضعه بجوار وصف الصبية بأنهم " الشياطين الحُفاة " ، هنا يمكن استحضار دلالة رمي الشيطان بالحصى في شعيرة الحج، لكن النص يقلب الصورة ، فالشياطين أنفسهم هم الذين يحملون الحصى ويرجمون به الراعي وقطيعه ، ومن زاوية أخرى ممكن قراءة المشهد بإعتباره فعل إقصاء ، فالمختلف عن الجماعة يتحول في أعينها إلى كائن غريب ينبغي طرده ورجمه، حتى لو لم يرتكب ذنبًا سوى اختلافه.


أما اختيار رقمي " التاسعة ، أربعين " فهما أكثر من فعل زمنى ، بل هما الفرق بين عدم اكتمال النضج واكتمال التجربة، هكذا يُصبح جسده أسير التاسعة ، بينما عمره تجاوز الأربعين،  وكأن المجتمع يحكم عليه بالبقاء طفلًا مهما تقدم به العمر، إنها مفارقة بين ما يراه الآخرون، وما يختزله الإنسان داخله من عمر وتجربة وكرامة.


ولا يمكن المرور على القصة دون التوقف عند فيض الصور الحسية، التي انعشت النص؛ فقد رسم عالم محسوس : "غبار يرتد ويتساقط على الوجه، وغثاء الغنم ، ونباح الكلب ، وصفير الراعي، وحفنات الرمل ، ولسعات العصا، ورائحة الدخان ، والسيجارة التي تنتهي إلى عقب مشتعل"،  جميعها لا تجعل القارئ لا يشهد المشهد فحسب، بل يكاد يراه ويسمعه، ويلمس خشونته، ويشم رائحته.


والصور البصرية على وجه الخصوص تمنح النص حياة متحركة : " القطيع الذي ينتظم ثم يتشتت ، الحملان التي تتسلل من بين أرجل أمهاتها، الصبية الذين يفرون إلى حقول الشعير ، ويختبئون خلف جذوع النخل ، ثم ظهور المرأة في إطار مختلف تمامًا، كأن الضوء قد دخل القصة معها ، إنها مليحة كالبلور ، ناعمة كبتلات الورد البلدي ، لينة كغزالة ، صور تنقلنا من خشونة الرمل والحصى ، إلى عالم من النعومة والجمال.


وهنا تتبدل حواس القارئ ، كما تتبدل حالة الراعي النفسية،  فالعالم الذي كان قبل لحظة ممتلئًا بالغبار والضجيج يتحول إلى حديقة يانعة  ، وتصبح المرأة في نظره اشبه بخلاص بصري من قسوة الواقع ،حتى السيجارة التي تحترق بين أصابعه لا يشعر بلسعتها ، لأنه غارق في صورة الغزالة .


لكن هذه الصورة الحالمة لا تستمر طويلًا، إذ تُعيده ضجة الصبية إلى الواقع ، والأشد قسوة حين لا تمنحه المرأة التعاطف الذي يتخيله بعد طول انتظار، وإنما يلمح على شفتيها ابتسامة ساخرة ، وهنا تبلغ القصة ذروة مرارتها،حين تأتي السخرية من المرأة التي ظن أنها خلاصه.


وهنا تتضاعف دلالة النهاية ، حين اختزل دموع الراعي في "دمعتين ساخنتين "، ليس انهيار كامل ، بل دمعتان فقط، وكأنهما تختصران جرحين متزامنين، جُرح الكرامة وجُرح الوهم، فكانتا دمعة  الإهانة ودمعة خيبة أمل العاشق.

والأكثر دلالة أن الدموع أصلها ماء ، وقد جاءت بعد عالم امتلأ بالغبار  والرمل والنار ، فالماء يخمد الغبار ، كما تخمد الدموع بعض احتراق الروح ، ربما لحظة تطهير بعد سقوط الوهم.


ومن هنا يتكشف عمق عنوان القصة ؛ فـالزفّة عادةً احتفال بالفرح وبداية حياة جديدة، لكن الكاتب يمنحها هنا طعم العلقم، ذلك المرّ الذي لا يزول مذاقه بسهولة. إنها زفّة لا تزفّ فرحًا، وإنما تزفّ الراعي من إهانة إلى أخرى، من جُرح الكرامة إلى جُرح الوهم، حتى تنتهي بدمعتين تختصران مرارة الرحلة كلها. وكأن الكاتب يقلب دلالة الزفّة من الاحتفال إلى الفقد، ومن البهجة إلى الانكسار؛ لتصبح زفّة العلقم هي الموكب الذي يُقاد فيه الإنسان، لا إلى فرح منتظر، بل إلى حقيقة موجعة لم يكن يريد أن يراها. وهكذا يصبح العنوان مفتاحًا للنص كله: زفّة في ظاهرها، وعلقم في مذاقها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10722
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.