السُّودان: تَرَاكُمُ الغُمُومِ
مَدْخَلٌ:
المشهدُ في ولايةِ الخرطومِ يَتَشَكَّلُ كلوحةٍ داميةٍ: أرتالٌ من جُندِ الحركاتِ المسلحةِ المواليةِ للحكومةِ تَسْكُنُ بينَ المواطنين، فيما تتدفَّقُ انشقاقاتُ جُندِ الدعمِ السريعِ إلى قلبِ العاصمةِ. غيرَ أنَّ أمرَهُم فوضىً بينهم، لا يُعرَفُ لهُ نظامٌ ولا يُحَدُّ لهُ ضابطٌ.
مَا يُرَشِّحُ فِي الإعلامِ:
تتناقلُ الأخبارُ أنَّ هذا الانشقاقَ يَصُبُّ في كَسْرِ شوكةِ طرفٍ من أطرافِ الحربِ، ولكنَّ الحقيقةَ أدهى وأمرُّ.
فالحربُ خُدعةٌ، والسؤالُ المُرْعِبُ: هل الدعمُ السريعُ عدوٌّ حقيقيٌّ لآخرِ جنديٍّ فيه؟
إنَّ التحوُّلَ من معسكرٍ إلى آخرَ لا يتبعهُ تسليمُ السلاحِ، بل يظلُّ السلاحُ مُصَوَّباً نحوَ صدورِ الأبرياءِ.
الخَطَرُ الوَشِيكُ:
إنَّ هذه الحشودَ قد تنقلبُ في لحظةٍ لصالحِ الدعمِ السريعِ، فتستلمُ البلادَ على حينِ غِرَّةٍ، بمعاونةِ قياداتٍ عسكريةٍ في تمردٍ جديدٍ، فتغدو الخرطومُ ساحةً للذبحِ والاقتتالِ، ويُساقُ المواطنُ إلى هاويةٍ لا قرارَ لها.
شَوَاهِدٌ مِنَ التَّارِيخِ:
حركةُ الثاني من يوليو 1976 بقيادةِ العميد معاش محمد نور سعد تُذكِّرُنا أنَّ الانقلاباتِ ليست بعيدةً عن ذاكرةِ السودانِ.
وفي صفوفِ الدعمِ السريعِ اليوم قادةٌ عسكريون سابقون، أمثالُ اللواء فضل الله برمة ناصر، ممَّا يجعلُ البلادَ على كفِّ عفريتٍ، إذ إنَّ أيَّ رتبةٍ عسكريةٍ يمكنها أن تُشعلَ التمردَ وتُعيدَ إنتاجَ الفوضى.
البِلادُ عَلَى كَفِّ عِفْرِيتٍ:
لقد بدأَت الحربُ الحاليةُ بمن كان يشغلُ منصبَ نائبِ القائدِ العام للقواتِ المسلحةِ، وهذا يُؤكِّدُ أنَّ الطمعَ في الحكمِ عبرَ البندقيةِ لا يزولُ، طالما أنَّ القائدَ الحالي أشاعَ أنَّ المجدَ للبندقيةِ. وهكذا تتكرَّرُ دوامةُ الانقلاباتِ من صغارِ الضباطِ إلى كبارِ القادةِ، فيُعادُ إنتاجُ المأساةِ جيلاً بعد جيلٍ.
خَاتِمَةٌ:
تظلُّ الدعوةُ إلى الحكمِ المدنيِّ حلماً بعيدَ المنالِ، إذ يكتنفُهُ الغموضُ وتُحاصِرُهُ عسكرةُ الدولةِ. فكلُّ حديثٍ عن وقفِ الحربِ وعودةِ الحكمِ المدنيِّ ليس إلا هرولةً نحوَ سرابٍ، إذ إنَّ تجنيدَ المزيدِ من كوادرِ المليشياتِ سيُفضي إلى تفاوضٍ عسكريٍّ وتقاسمٍ للسلطةِ على أنقاضِ الوطنِ.
وعليه، فإنَّ مستقبلَ البلادِ لا يُبشِّرُ بتفاوضٍ مدنيٍّ، بل يُنذرُ بمساومةٍ داميةٍ في ظلِّ عسكرةٍ شاملةٍ للدولةِ، حيثُ تُقسَّمُ كيكةُ السلطةِ بينَ البنادقِ، ويظلُّ المواطنُ وقوداً لحربٍ لا تنطفئُ.
الإسكندرية ٢١ أغسطس ٢٠٢٦م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك