الصمغ العربي.. ذهب السودان الطبيعي بين الإرث الزراعي و اقتصاد الحرب
يُعد الصمغ العربي من أبرز المنتجات الطبيعية التي ارتبط اسمها بالسودان، ليس فقط لانتشار أشجاره في مساحات واسعة من البلاد، وإنما أيضاً لدوره الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الممتد عبر عقود. ويُستخرج هذا المنتج من الإفرازات المجففة لأشجار الهشاب والطلح، وهما من أنواع الأكاسيا التي تنمو بصورة رئيسية داخل ما يُعرف بـ«حزام الصمغ العربي» الممتد في مناطق واسعة من كردفان ودارفور، إلى جانب أجزاء من ولايات النيل الأزرق والنيل الأبيض وسنار والقضارف.
ويُعرّف الدستور الغذائي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية الصمغ العربي بأنه الإفراز المجفف الناتج من سيقان وفروع أشجار Acacia senegal وAcacia seyal، ويُصنّف ضمن الإضافات الغذائية بالرقم الدولي INS 414. وتكمن أهميته الصناعية في قدرته على الذوبان في الماء والعمل كمثبت ومستحلب ومكثف، لذلك يدخل في تصنيع المشروبات والعصائر والحلوى والشوكولاتة، كما يُستخدم في الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل والأحبار وبعض المنتجات الغذائية.
وتبدأ رحلة الصمغ العربي من مناطق الإنتاج، حيث يقوم المزارعون والجامعون بإحداث شقوق سطحية في لحاء الأشجار، ثم يتركون الإفرازات فترة قبل جمعها وتنظيفها وفرزها وفقاً للجودة واللون والحجم. وتمثل هذه العملية جزءاً من خبرة زراعية تقليدية توارثتها المجتمعات السودانية عبر أجيال، كما توفر الأشجار مصدراً للظل والمرعى وتسهم في تثبيت التربة والحد من التصحر، وهو ما يمنحها أهمية تتجاوز قيمتها التجارية المباشرة.
ويعتمد القطاع بدرجة كبيرة على صغار المزارعين في مناطق الزراعة المطرية التقليدية، وقد أشار البنك الدولي إلى أن المنتجين يمثلون شريحة واسعة من السكان، وينتمون في كثير من الحالات إلى الفئات الأكثر فقراً، بينما ظل السودان تاريخياً أكبر منتج للصمغ العربي في العالم، إلى جانب كونه أحد أهم مصدريه.
ويمنح هذا النشاط الأسر الريفية مورداً موسمياً مهماً، خصوصاً أن جمع الصمغ لا يتعارض بالضرورة مع زراعة المحاصيل الغذائية مثل الذرة الرفيعة والدخن، ما يجعله جزءاً من استراتيجية المزارعين لتنويع مصادر الدخل وتقليل مخاطر الاعتماد على محصول واحد.
ورغم المكانة العالمية للصمغ السوداني، فإن معظم صادرات البلاد ظلت تخرج في صورتها الخام أو شبه المصنعة، قبل أن تخضع لعمليات التنقية والطحن والتحويل إلى مستحلبات ومساحيق في دول أخرى. ويؤدي ذلك إلى فقدان جزء كبير من القيمة المضافة، ويحد من فرص إنشاء صناعات وطنية قادرة على توفير وظائف وزيادة عائدات الصادرات. ولذلك فإن تطوير مصانع محلية للفرز والمعالجة والتعبئة يمكن أن يحوّل الصمغ من مورد خام إلى منتج صناعي أكثر قدرة على المنافسة.
لكن هذه الثروة واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات متزايدة بسبب النزاع المسلح وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية. فقد أدت الحرب إلى اضطراب طرق النقل، وتعطيل الأسواق ومراكز التخزين، وارتفاع تكاليف الشحن، فضلاً عن صعوبة وصول المنتجين إلى مناطق الأشجار ومراكز البيع. كما فرضت السيطرة المتغيرة على الطرق التجارية قيوداً إضافية على حركة الصمغ بين مناطق الإنتاج والموانئ والأسواق الخارجية.
وبحسب إحاطة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أبلغ فريق خبراء تابع للأمم المتحدة عن نهب نحو 3,700 طن من الصمغ العربي خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2024، بقيمة متوسطة قُدرت بنحو 14.578 مليون دولار، مع الإشارة إلى نقل أجزاء من الكميات عبر طرق تمر بتشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى.
وتكشف هذه الوقائع عن خطورة تحول الموارد الطبيعية إلى مصدر لتمويل اقتصاد الحرب، فضلاً عن آثارها المباشرة على المزارعين والتجار وسلاسل الإمداد والأسواق الدولية.
ولا تقتصر خسائر المنتجين على خطر النهب أو فقدان المخزون، إذ يواجهون أيضاً ارتفاعاً في تكاليف النقل والرسوم، وتراجعاً في القدرة على التفاوض، وصعوبة في الحصول على أدوات الجمع والتمويل والخدمات الزراعية. ومع تراجع دور الأسواق الرسمية، تزداد أهمية الوسطاء، ما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار التي يحصل عليها المنتجون مقارنة بالقيمة التي يحققها المنتج في الأسواق العالمية.
ويحتاج إنقاذ قطاع الصمغ العربي إلى إجراءات متزامنة، في مقدمتها حماية مناطق الإنتاج وطرق النقل، وضمان وصول المزارعين إلى الأسواق، ودعم التعاونيات المحلية، وتوفير التمويل الموسمي ومعدات الجمع والتخزين. كما يتطلب الأمر إنشاء نظام شفاف لتتبع مصدر الشحنات، بما يطمئن المشترين الدوليين إلى أن المنتج لم يمر عبر مناطق أو جهات مرتبطة بالانتهاكات أو تمويل النزاع.
ويمثل التصنيع المحلي أحد أهم المسارات الممكنة لاستعادة قيمة هذا المورد، من خلال إنشاء مصانع متخصصة في التنقية والتجفيف والطحن وإنتاج المستحلبات والمواد المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية. وبالتوازي مع ذلك، فإن حماية الأشجار وإعادة تأهيل مناطق الحزام وتعزيز الإدارة المستدامة للغابات يمكن أن تساعد في مواجهة التصحر وتحسين قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.
وبينما تواصل الحرب الضغط على الإنتاج والتجارة، يظل الصمغ العربي واحداً من الموارد القليلة التي تجمع بين الميزة الاقتصادية والوظيفة البيئية والإرث الثقافي. فهو ليس مجرد حبيبات ذهبية تُجمع من أشجار الهشاب والطلح، بل مصدر رزق لملايين السودانيين، ومادة أساسية في صناعات عالمية، وثروة وطنية تحتاج إلى الاستقرار والحوكمة والتصنيع حتى تتحول من «ذهب طبيعي» مهدد بالضياع إلى رافعة حقيقية للتنمية وإعادة بناء الاقتصاد السوداني.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك