من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الجامع الكبير في مالي: أعجوبة الطين التي تتحدى الأمطار والزمن منذ سبعة قرون

باماكو: " نقاش "
الجامع الكبير في مالي: أعجوبة الطين التي تتحدى الأمطار والزمن منذ سبعة قرون



في قلب مالي، وسط دلتا نهر النيجر الداخلية، ينتصب الجامع الكبير في مدينة جينيه شاهداً على براعة الإنسان الأفريقي في تطويع الطين ليتحدى المطر والزمن معاً. يُصنَّف هذا الصرح بوصفه أكبر مبنى في العالم مشيَّد بالكامل من الطوب الطيني، ويُعَدّ التحفة الأبرز في طراز العمارة السوداني-الساحلي الذي يمزج بين الجماليات الإسلامية والموروث المعماري الأفريقي المحلي.

جذور تمتد إلى القرن الثالث عشر

تعود بدايات المسجد، بحسب الروايات التاريخية، إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حين شيّده أول ملوك جينيه الذين اعتنقوا الإسلام، في مدينة كانت قد تأسست بين القرنين الثامن والثالث عشر، وازدهرت بوصفها محطة رئيسية على طرق تجارة الذهب العابرة للصحراء الكبرى، ومركزاً بارزاً للعلم الإسلامي في غرب أفريقيا.

لكن  المبنى الذي يراه الزوار اليوم ليس هو البناء الأصلي؛ فقد تعرّض المسجد القديم للهدم في مطلع القرن التاسع عشر على يد أحد القادة الفولانيين المسلمين الذين سيطروا على المدينة، وتركوه عرضة للتداعي، إذ وصفه الرحالة الفرنسي رينيه كاييه، الذي زار جينيه عام 1827، بأنه آيل للسقوط. وظلت المدينة بلا جامع كبير حتى أعاد بناءه المعماري المحلي إسماعيلا تراوري عام 1907 فوق أنقاض البناء القديم، ليصبح هذا التجديد هو الهيكل القائم حالياً.

أبعاد مهيبة من طين مضغوط

يرتفع الجامع نحو 16 متراً، وتقوم منشآته على منصة مرتفعة عن الأرض بمساحة تقارب 75 × 75 متراً، وهو تصميم مدروس يحمي المبنى من فيضانات النهر الموسمية التي تحوّل المدينة إلى شبه جزيرة في موسم الأمطار. ويتّسع الجامع لآلاف المصلين، وتعلوه ثلاث مآذن رئيسية يزيّن قممها بيض النعام، في رمزية محلية للخصوبة والبركة، فيما تنغرس في جدرانه الخارجية عوارض خشبية بارزة تُعرف بـ"التورون"، تُستخدم كسقالات دائمة لأعمال الصيانة السنوية.

أما مواد البناء فهي مزيج من الطوب الطيني المجفف بالشمس المعروف محلياً باسم "فيري"، يُكسى بطبقة ملاط من الطين ونخالة الأرز والزبدة أو زيت النخيل، وهو خليط يمنح الجدران قدراً من المقاومة للرطوبة، وإن كان لا يمنع تآكلها التدريجي مع كل موسم أمطار.

مهرجان "الكريبيساج".. حين تتحد المدينة لإنقاذ جامعها

يكمن سر خلود هذا الصرح، في التلاحم المجتمعي لا في الهندسة وحدها. فكل عام، عادة في شهر أبريل قبيل موسم الأمطار، يخرج أهالي جينيه في مهرجان جماعي يُعرف بـ"الكريبيساج" (إعادة التجصيص)، حيث يتقاسم الرجال والنساء والأطفال المهام: فمنهم من يجهز خليط الطين، ومنهم من ينقل المياه، ومنهم من يتسلق السقالات الخشبية لفرد الطبقة الجديدة من الملاط على الجدران، في مشهد جماعي يتكرر منذ عقود ويُعَدّ من أبرز الاحتفالات الشعبية في غرب أفريقيا.

اعتراف عالمي وتحديات متجددة

في عام 1988 أدرجت اليونسكو المدينة القديمة لجينيه، بما فيها الجامع الكبير، على قائمة التراث العالمي، تقديراً لقيمتها الأثرية والتاريخية والدينية والمعمارية. ومنذ عام 1996، مُنع دخول غير المسلمين إلى داخل المسجد، إثر جلسة تصوير أزياء أثارت استياء الأهالي لِما اعتُبر إخلالاً بحرمة المكان.

ورغم هذا الاعتراف الدولي، يواجه الموقع تحديات متنامية؛ إذ حذّرت اليونسكو من أن الاضطرابات الأمنية التي شهدها شمال مالي منذ عام 2012 أضعفت قدرة الحكومة على متابعة إجراءات الحماية والصيانة اللازمة، فضلاً عن تراجع التمويل الدولي الموجَّه لجينيه مقارنة بمدينة تمبكتو، التي حظيت باهتمام أكبر بعد استهداف متطرفين لأضرحتها التاريخية عام 2012.

يبقى الجامع الكبير في جينيه، رغم كل ذلك، رمزاً حياً على أن ما تبنيه الجماعات بيدها وإيمانها، جيلاً بعد جيل، قد يصمد أمام عوامل الطبيعة أطول مما تصمد أمامه المنشآت الصلبة التي تفتقر إلى هذا التكافل الإنساني.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10740
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.